لماذا الحج ركن من أركان الإيمان لا الإسلام كما كان سأئد ؟
طوفان الجنيد
يُشكل الفهم السائد لأركان الدين صدمة معرفية عندما يُعاد عرضه على مشرحة الفكر التنويري الحديث والتحليل اللغوي الصارم للنص القرآني. لعقود طويلة، نشأت الأجيال على تصنيف “الحج” كركيزة خامسة من أركان “الإسلام”، وفق مرويات فقهية دمغت الظاهر بالباطن. غير أن القراءة التنويرية المعاصرة، القائمة على خلو القرآن من الترادف، تعيد صياغة المعادلة لتطرح رؤية مغايرة تماماً:
الحج في حقيقته البنيوية والتشريعية هو ركن من أركان الإيمان بالرسالة المحمدية، وليس ركناً للإسلام العام.
فما هي الأسس المعرفية واللغوية التي يستند إليها هذا الطرح التنويري المفصل؟
أولاً: التفكيك اللغوي.. الإسلام دين الفطرة والإيمان خصوصية الرسالة
لإدراك سبب إخراج الحج من مظلة “أركان الإسلام” وإدراجه تحت “أركان الإيمان”، يجب أولاً فهم التمايز الحاسم بين المصطلحين في الخطاب القرآني:
الإسلام (الدين العالمي المشترك): هو الاستسلام لله الواحد والالتزام بالقيم الأخلاقية الفطرية (العدل، الصدق، الأمانة، بر الوالدين، وحرمة الدم). هذا الإسلام لا يحتاج إلى بعثة محمد ﷺ ليكون قائماً؛ فقد كان نوح وإبراهيم وموسى وعيسى مسلمين. هو دين الفطرة الذي يشترك فيه كل البشر الصالحين على الأرض، والعمل الصالح هو عماده.
الإيمان (المنظومة الشعائرية والحدودية): هو تصديق رسالة بعينها واتباع تفاصيلها التشريعية المخصوصة. فالإيمان بالرسالة المحمدية يتطلب التزاماً بـ “شعائر” لم تكن موجودة عند الأمم السابقة بنفس الكيفية والميقات (كأوقات الصلاة، وطريقة الصيام، ومناسك الحج إلى بكة).
بما أن الحج بآلياته ومواقيته ومكانه الجغرافي (مكة) هو تشريع خاص جاءت به الرسالة الخاتمة لأتباعها، فهو بالضرورة ركن إيماني رسالي يخص من “آمن” بمحمد وبكتابه، وليس شرطاً في “الإسلام الفطري العام” الذي يطالب الله به البشرية جمعاء.
ثانياً: الحج عبادة “وعي ومعرفة” (والإيمان تصديق معرفي)
العبادات في دائرة الإسلام الفطري (كالإحسان والعدل) تدركها الفطرة الإنسانية تلقائياً. أما الحج، فيمتاز بخصائص تجعله ينبثق من “الإيمان” الواعي لا السلوك العفوي:
الاستجابة لنداء تاريخي غيبي: الحاج لا يذهب إلى مكة بدافع غريزي أو فطري، بل استجابةً لوعي تاريخي ويقين غيبي بالنص والرسالة: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ}. هذا الامتثال لأمر غيبي مفارق هو أصل “الإيمان”.
تحويل “المشعر” إلى وعي عقلي: في اللغة التنويرية، “المشاعر” (مزدلفة، عرفات) ليست مجرد جغرافيا، بل هي مشتقة من “الشعور والإدراك”. الحج هو “المختبر المعرفي” الأكبر؛ حيث يمارس المؤمن عملية شحن لعقله ووعيه من خلال التأمل الذاتي والانصهار في المجموع، والإيمان في جوهره هو “أعلى درجات الوعي والتصديق”.
ثالثاً: مناسك الحج.. طقوس إيمانية تفكك مادية العالم
إذا تتبعنا تفاصيل الحج، نجدها “تمارين إيمانية سيكولوجية” مصممة لترقية وعي المؤمن، وهي تفوق بمراحل مجرد الانقياد السلوكي (الإسلام الظاهري):
التجرد من الهويات الضيقة (الإحرام): في الحج، يُجبر المؤمن على خلع ملابسه التي تمثل طبقتة، وقوميته، ومكانته الاجتماعية. هذا التجرد هو تجسيد لـ “الإيمان بالآخرة” والوقوف المجرد بين يدي الخالق. إنه تمرين عملي على الموت والبعث، والبعث ركن أصيل من أركان الإيمان الستة.
كسر الأصنام الذهنية والمادية: رجم الحجر، والطواف حول حجر، والسعي بين جبلين.. هي أفعال يصفها الفكر التنويري بأنها تحطيم لـ “المادية” في عقل الإنسان. المؤمن هنا لا يعبد الحجر، بل يتدرب على “التسليم الواعي” لأمر الله، متجاوزاً التفسيرات النفعية الضيقة. هذا التسليم المطلق هو ماهية الإيمان.
رابعاً: الحج مؤتمر “الشهود والمنافع” الإيمانية
يقول تعالى: {لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ}. الفكر التنويري الحديث يرى أن المنفعة هنا حركية ومتجددة بتجدد الزمان.
الحج هو “البرلمان السنوي” لأتباع الرسالة (المؤمنين)، حيث تذوب الفوارق وتلتقي العقول لتبادل المعارف، وحل النزاعات، وبناء القوة الاقتصادية والفكرية للأمة. تحويل الحج من هذا المقصد الحضري الواسع إلى مجرد “طقس لتكفير الذنوب الفردية” (كما يصوره الفقه الموروث) هو الذي أفرغ هذا الركن الإيماني التنويري من محتواه الحركي.
ختامآ
إن القول بأن الحج ركن من أركان الإسلام (بالمفهوم التقليدي المترادف) يختزل الدين في حركات جوارح مجردة. أما قراءته كأحد أركان الإيمان بالرسالة، فإنه يعيد الاعتبار لعقل المؤمن ووعيه.
الحج هو ذروة سنام التجربة الإيمانية؛ يبدأ باليقين بالرسالة والغيب، ويمر بمشاق السفر والتجرد من الدنيا، وينتهي بصياغة إنسان جديد وعاقل، قادر على العودة إلى مجتمعه ليمارس “الإسلام الفطري” الحقيقي: السلام، البناء، والعمل الصالح. الحج هو سلوك المشي بالجوارح، لإيقاظ الإيمان في الجوانح

