محمود السنكري يكتب: لا يشم ريح الجنة... من ولّى أحدًا عملًا وفي الناس خيرٌ منه  - النايل نيوز
الجمعة, أغسطس 14, 2026
الرئيسيةمقالاتمحمود السنكري يكتب: لا يشم ريح الجنة… من ولّى أحدًا عملًا وفي الناس خيرٌ منه 
مقالات

محمود السنكري يكتب: لا يشم ريح الجنة… من ولّى أحدًا عملًا وفي الناس خيرٌ منه 

محمود السنكري يكتب: لا يشم ريح الجنة... من ولّى أحدًا عملًا وفي الناس خيرٌ منه 

محمود السنكري

ليست المناصب امتيازات شخصية ولا أبوابًا تُفتح بالمجاملة ولا مكافآت تُمنح لأصحاب القرب والولاء والمصالح.    

إنما المسؤولية أمانة والوظيفة تكليف ومن يتولى أمرًا من أمور الناس يجب أن يضع الكفاءة والأمانة والقدرة على تحمل المسؤولية فوق كل اعتبار.    

ومن العبارات التي تحمل معنى بالغًا في التحذير من ظلم الكفاءات وتقديم غير المستحقين،

تلك المقولة المنسوبة إلى إمام الدعاة الشيخ محمد متولي الشعراوي:  «لا يشمُّ ريحَ الجنة من ولّى أحدًا عملًا وفي الناس خيرٌ منه» 

وهي عبارة تختصر قضية خطيرة ما زالت بعض المجتمعات والمؤسسات تعاني آثارها وهي قضية المحسوبية والمجاملة وتقديم أهل العلاقات على أهل الكفاءة.    

فحين يُمنح المنصب لمن لا يستحقه بينما يوجد بين الناس من هو أكثر علمًا وخبرة وقدرة وأمانة فإن الظلم لا يقع على الشخص الذي تم استبعاده وحده وإنما يمتد أثره إلى المؤسسة بأكملها وإلى كل من يتعامل معها بل وإلى المجتمع الذي ينتظر منها أن تؤدي رسالتها بكفاءة وعدل.    

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مؤسسة هو أن تصبح معايير الاختيار فيها مرتبطة بمن يعرف الشخص لا بما يعرفه الشخص وبمن يملك القدرة على التأثير لا بمن يملك القدرة على الإنجاز.    

المحسوبية قد تصنع مسؤولًا لكنها لا تصنع نجاحًا..    

وقد يصل الإنسان إلى منصب بالمجاملة لكنه لن يستطيع أن يمنح ذلك المنصب قيمة حقيقية إذا كان يفتقر إلى الكفاءة والخبرة والقدرة على اتخاذ القرار.  

والأخطر من ذلك أن تقديم غير الأكفأ على الأكفأ يقتل الطموح داخل نفوس المجتهدين.    

فعندما يرى الموظف أو الشاب أن سنوات العلم والخبرة والعمل الجاد لا تساوي شيئًا أمام علاقة شخصية أو مجاملة أو ولاء فإنه قد يفقد ثقته في مبدأ تكافؤ الفرص ويشعر أن طريق النجاح لا يمر عبر الاجتهاد وإنما عبر الأبواب الخلفية.    

وهنا تبدأ المؤسسات في خسارة أفضل عناصرها.    

فالكفاءة التي لا تجد تقديرًا قد تنسحب والمخلص الذي يرى غيره يتقدم عليه بلا استحقاق قد يصمت والمجتهد الذي لا يرى ثمرة لجهده قد يفقد حماسه. 

وبمرور الوقت يصبح المكان طاردًا لأصحاب القدرات وجاذبًا لأصحاب المصالح.    

وليس معنى ذلك أن كل من يتولى منصبًا عن طريق الاختيار أو الثقة غير جدير به فهناك أشخاص كثيرون يصلون إلى مواقع المسؤولية لأنهم أهل لها ويثبتون بالفعل أنهم جديرون بالثقة.    

وإنما القضية تكمن في تقديم شخص على غيره مع العلم بوجود من هو أصلح وأكفأ وأقدر على أداء المهمة لمجرد القرابة أو الصداقة أو المصالح أو الولاء الشخصي.    

فالمنصب الحقيقي لا ينبغي أن يكون مكافأة على الولاء وإنما مسؤولية تُسند إلى من يستطيع حملها.    

ومن هنا فإن العدالة الإدارية ليست مجرد إجراءات مكتوبة في اللوائح بل ثقافة يجب أن تسود داخل المؤسسات: 

الرجل المناسب في المكان المناسب والاختيار على أساس الكفاءة والتقييم على أساس الأداء والترقية على أساس الاستحقاق.    

إن المسؤول الذي يختار الأكفأ لا يخدم شخصًا بعينه بل يخدم المؤسسة والوطن.    

أما الذي يقدم أهل المصالح على أهل الكفاءة فإنه قد يرضي فردًا أو مجموعة لفترة قصيرة لكنه يضعف المؤسسة ويهدر الطاقات ويزرع الإحباط بين العاملين.    

والأمانة الحقيقية في الإدارة ليست أن تختار من تحب وإنما أن تختار من يستحق.    

فإذا كان أمامك شخصان أحدهما تربطك به علاقة شخصية والآخر أكثر كفاءة وأمانة وقدرة فإن الاختبار الحقيقي لأخلاق المسؤول يبدأ هنا: 

هل ينحاز إلى العلاقة أم إلى الاستحقاق؟    

إنها لحظة تكشف معدن الإنسان الذي يملك سلطة القرار.    

فالمسؤول الذي ينتصر للاستحقاق حتى لو كان ذلك على حساب علاقاته الشخصية يثبت أنه فهم معنى الأمانة.    

أما الذي يجعل علاقاته الخاصة معيارًا لاختياراته فإنه لا يظلم الآخرين فقط بل يسيء إلى المنصب الذي أُوكل إليه ويحوّل السلطة من وسيلة لخدمة الناس إلى أداة لخدمة المقربين.    

ولذلك فإن مكافحة المحسوبية ليست رفاهية إدارية وإنما ضرورة لبناء مؤسسات قوية وعادلة.    

فالأمم لا تتقدم بكثرة المناصب وإنما بحسن اختيار من يشغلونها ولا تُبنى المؤسسات بالولاءات الشخصية وإنما بالكفاءة والنزاهة والانضباط.    

والمجتمع الذي يكافئ الكفاءة يخلق أجيالًا تؤمن بالعمل والاجتهاد أما المجتمع الذي يكافئ العلاقات والمحسوبية فإنه يبعث برسالة خطيرة إلى أبنائه مفادها أن النجاح لا يحتاج إلى علم ولا جهد ولا إخلاص وإنما يحتاج إلى شخص يعرفه أو صاحب نفوذ يسانده.     

وهذه الرسالة وحدها كفيلة بهدم قيمة العمل داخل أي مؤسسة.    

إن أخطر أنواع الفساد ليس دائمًا سرقة المال فهناك فساد آخر قد يكون أشد أثرًا وهو سرقة الفرص من أصحابها.    

حين يُحرم الأكفأ من حقه ويُمنح الموقع لمن هو أقل منه كفاءة لمجرد علاقة أو مصلحة فإننا لا نسرق منصبًا من شخص فقط بل نسرق من مؤسسة فرصة التطور ومن المجتمع فرصة التقدم ومن الأجيال القادمة نموذجًا للعدالة.    

ومن هنا تصبح مسؤولية صاحب القرار أكبر من مجرد إصدار قرار تعيين أو ترقية.    

إنه يختار مستقبل مؤسسة ويحدد اتجاهها ويبعث برسالة إلى كل العاملين فيها.    

فإما أن يقول لهم: اجتهدوا فالكفاءة تُقدَّر.    

وإما أن يقول لهم: ابحثوا عن العلاقات فالكفاءة وحدها لا تكفي.    

والفرق بين الرسالتين هو الفرق بين مؤسسة تنهض وأخرى تتآكل من الداخل.    

    

وفي النهاية تبقى الرسالة الأهم:    

لا تجعل المنصب جائزة لمن يقترب منك بل أمانة لمن يستحقها.    

ولا تحرم كفؤًا من حقه لأن غيره يملك علاقة أقوى.    

ولا تجعل الولاء الشخصي بديلًا عن الكفاءة ولا تجعل المجاملة أقوى من الاستحقاق ولا تسمح للمصالح أن تطغى على الأمانة.    

فالمناصب زائلة والأسماء تتغير والسلطة لا تدوم لأحد لكن أثر الظلم يبقى وأثر العدل يبقى أيضًا.    

ومن هنا تأتي قيمة هذه المقولة فهي ليست مجرد كلمات تُقال وإنما جرس إنذار لكل من يملك قرارًا في تعيين أو ترقية أو إسناد مسؤولية.    

إذا كان بين الناس من هو خير وأصلح وأكفأ فلا تجعل الهوى والمصلحة والمحسوبية سببًا في تقديم غيره عليه.      

فحين توضع المسؤولية في يد أهلها تزدهر المؤسسات.      

وحين تُوضع في غير يدها يدفع الجميع الثمن.    

فالمنصب قد يرفع صاحبه أمام الناس لكن حسن أداء الأمانة هو الذي يرفع قدره عند الله. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *