أدب النساء في المغرب: حضور قديم واعتراف متأخر / عبد المجيد عبوبي
حين نتكلم عن المرأة في الأدب المغربي، يخطر لكثير من القراء أنها حاضرة جديدة على المشهد، وأنها دخلت الكتابة بداية من النصف الثاني من القرن العشرين. هذا الظن شائع، لكنه غير دقيق. الحقيقة أن المرأة كانت حاضرة في الوجدان المغربي منذ القدم، في الشعر الشعبي، في أهازيج الأعراس، في مرثيات الحب والفقد، وفي أغاني الحقول والمواسم. كانت تصنع الأدب قبل أن تحمل القلم، وتغنيه قبل أن تطبعه. لكن الاعتراف بها جاء متأخراً، بعد طريق طويل من التجاهل.
صورتها كتبها الآخرون
المشكل ليس أن المرأة لم تكن في الأدب، بل أنها كانت فيه صورة أكثر منها صوتاً. كتب عنها الرجال كثيراً، وقدموها بأشكال شتى: الأم الحانية، والأخت الوفيّة، والعروس الخاضعة، وأحياناً الجسد الذي يثير الفضول أو الخطيئة التي يجب معاقبتها. كل هذه الصور نابعة من نظرة المجتمع إلى المرأة، لا من نظرة المرأة إلى نفسها. فالكاتب لم يسألها عن رأيها، واكتفى أن يحدد مكانها: في البيت قبل المدرسة، وفي الذاكرة قبل التاريخ، وفي حجاب الحياء قبل صفحة الكتاب.
وهكذا نشأ أدب غزير الكلام عن المرأة، فقير في أصواتها. كان يتحدث باسمها، ويوزع عليها الأدوار، ويقرر متى تكون بطلة ومتى تكون عبرة.
من ساهم في التهميش؟
لا أريد أن أحمّل مسؤولية واحدة لجهة واحدة، لأن التهميش عمل جماعي متداخل. ساهمت فيه مؤسسات كثيرة: المجتمع أولاً، بتقاليده التي تربط شرف البيت بصمت المرأة، والمؤسسة الدينية أحياناً، بقراءات مغلقة لمكانها، والمدرسة والجامعة ثانياً، لأن مقرراتها جعلت من الأدب المغربي أساساً أدب الرجال، والنقاد ثالثاً، الذين كانوا يبحثون عن الكبير والمهم بينما المرأة تكتب من الهامش، ودور النشر والترجمة والجوائز رابعاً، لأن الاعتراف الرمزي كان يصب في اتجاه واحد هو اتجاه الكلمة الرسمية، لا الكلمة الحية.
فالتهميش ليس غياباً فقط، بل هو أيضاً نوع من الوجود المسروق: أن تكون حاضرة في كل مكان، وغائبة عن كل قرار.
الكاتبات المغربيات: من الهامش إلى الصفحة الأولى
مع ركيزتين كبيرتين جاءت النقلة. الأولى هي تعليم المرأة وتوسع حضورها في الجامعة والعمل الحر، والثانية هي تحولات المجتمع المغربي نفسه، الذي بدأ يسأل عن حرياته وذاكرته وهويته. عندها ظهرت أسماء رفعت الرأس، وغيرت معنى أن تكتب امرأة.
من هذه الأسماء، ليلى أبو زيد التي كتبت بالعربية عن الذاكرة والهوية والصراع بين الأصالة والحداثة، وجعلت من المرأة شخصية مركزية لا هامشية. وفاطمة مرنيسي التي فتحت باب النقاش حول المرأة والمجتمع والدين، ولو لم تكن روائية بالمعنى الدقيق، فهي بلا شك صاحبة كلمة أدبية مؤثرة. ونجاة الحشيمي التي كتبت من المهجر باللغة الكتالانية عن الفرار من سلطة الأب والقبيلة. وليلى سليماني وصفية عز الدين وغيرهما، اللواتي أثبتن أن القلم المغربي يجيد أكثر من لغة، وأن الحكاية المغربية تصل إلى العالم بصوت نسائي واثق.
ولا ينبغي أن ننسى صوت المرأة الشعبية التي ظلت حية قبل فهرسة الكتب، من الغناء الملحون إلى أداء زهرة الفاسية الذي ما يزال شاهداً على عبقرية أنثوية لم تنتظر إذناً أدبياً.
الحضور القديم والاعتراف المتأخر
من هنا أقول إن العنوان لا يبالغ: حضور قديم، نعم، لكن اعترافاً متأخراً أيضاً. لأن الاعتراف لا يعني أن تكتب المرأة، بل أن يقرأها النقاد بجدية، وأن تدرسها المدارس، وأن تترجم أعمالها، وأن لا تُسأل دائماً: هل كتابتك أدب أم مجرد شكوى؟
الكاتب الرجل لا يُسأل هذا السؤال، بينما الكاتبة تُطالب أن تثبت أنها أديبة أولاً، وأنها امرأة ثانياً، وهو ظلم مزدوج يجب أن ينتهي.
كلمة أخيرة
أدب النساء في المغرب ليس فرعاً جانبياً من أدب البلاد، بل هو جزء أصيل من ذاكرتها ومن معركة تحريرها. وما دامت المرأة تصنع الحياة اليومية للمغاربة، فمن حقها أن تصنع الكلمة أيضاً. والمهمة الآن ليست أن نفتخر بأسماء قليلة رفعت الراية، بل أن نفتح الباب أمام جيل جديد من الكاتبات، ريفيات ومدنيات، عربيات وأمازيغيات، فصيحات وعاميات، ليكن الكاتبة المغربية قاعدة في الحقل الأدبي، لا استثناءً يذكر في المناسبات.
فالأدب الذي لا يحتضن صوت نصف الشعب، أدب ناقص. والمغرب الذي يكتب مع نسائه، يكتب تاريخه كاملاً.
للتذكير ساهمت المرأة المغربية من خلال فن العيطة الشعبية في نقد الاستعمار الفرنسي والقياد الخونة ..أغنية خربوشة مثلا…..
عبد المجيد عبوبي

