الرئيسيةمقالاتالأهرامات لا تتكلم السومرية: تفكيك وهمٍ يتاجر بالتاريخ
مقالات

الأهرامات لا تتكلم السومرية: تفكيك وهمٍ يتاجر بالتاريخ

الأهرامات لا تتكلم السومرية: تفكيك وهمٍ يتاجر بالتاريخ

بقلم: الباحث والكاتب والناقد عدنان مهدي الطائي

في خضم الجدل الذي أثارته تصريحات منسوبة إلى الأكاديمي المصري المرتبط بـ SOAS، عكاشة الدالي، برزت فرضية تزعم أن الأهرامات المصرية ذات أصل عراقي، وأن السومريين قد هاجروا إلى مصر وأسهموا في بنائها. وقد استند هذا الطرح إلى ثلاث “أدلة” رئيسية:
أولها: تشابه بعض الرموز الحيوانية، كالثور أو الأسد، واعتبارها ذات أصل سومري، يقابل تصوير الحضارة المصرية بانها مرتبطة بالحيوانات الأليفة.
ثانيها: الزعم بأن وجود القمح وبعض المحاصيل في مصر دليل على انتقال مزارعين من بلاد الرافدين.
ثالثها: الربط بين أسلوب الدفن الطبقي تحت الأرض لدى السومريين، وفكرة بناء الأهرامات كامتداد متطور لهذا النمط.
غير أن هذه الأدلة، عند إخضاعها للمنهج العلمي، لا تصمد أمام أبسط قواعد البحث التاريخي.
رمزية الحيوان: قراءة انتقائية للتاريخ
إن الادعاء بأن الحضارة المصرية لم تعرف رمزية الأسد أو الثور يتجاهل حقيقة راسخة في تاريخها الديني. فقد ارتبط الأسد بالقوة والحماية، وتمثل في آلهة معروفة، كما كان الثور رمزًا للخصوبة والحياة. وعليه، فإن وجود هذه الرموز لا يمكن أن يُعد دليلًا على تأثير سومري، بل هو جزء أصيل من البنية الرمزية المصرية.
الزراعة: دليل ينقلب على أصحابه
أما مسألة القمح، فهي من أكثر النقاط التي تكشف هشاشة الطرح. فالدراسات الأثرية تؤكد أن وادي النيل عرف الزراعة منذ عصور مبكرة جدًا، وكان القمح عنصرًا أساسيًا في النظام الغذائي المصري القديم. ولا توجد أي شواهد على “استيراد زراعي” من بلاد الرافدين، بل إن تطور الزراعة في مصر كان مرتبطًا بطبيعة النيل ودورته الفيضيّة.
الدفن والأهرامات: من التشابه إلى القفز غير العلمي
الربط بين الدفن تحت الأرض في حضارة بلاد الرافدين وبين الأهرامات في مصر القديمة يمثل قفزة تفسيرية غير مبررة. فالدفن ظاهرة إنسانية عامة، لكن تحويله إلى بناء هرمي ضخم يعكس تصورًا دينيًا وفلسفيًا خاصًا بالمصريين القدماء، مرتبطًا بفكرة الخلود والصعود إلى السماء. وهذا التطور موثق تدريجيًا داخل مصر نفسها، من المصاطب إلى الأهرامات الكاملة.
غياب الدليل… حضور الشائعة
المشكلة الجوهرية في هذه الفرضية لا تكمن فقط في ضعف أدلتها، بل في غياب أي دليل أثري داعم لها. فلا توجد نصوص سومرية في مصر، ولا آثار لهجرة جماعية، ولا أي انقطاع حضاري يشير إلى انتقال مفاجئ للمعرفة. وهنا، يصبح من الضروري استحضار منهج ابن خلدون، الذي شدد على أن الأخبار لا تُقبل لمجرد تداولها، بل تُعرض على العقل والواقع، فإن خالفتهما سقطت.
بين البحث العلمي وصناعة الإثارة
إن ما يُطرح اليوم من ربط تعسفي بين الحضارات لا يخدم المعرفة، بل يندرج ضمن ما يمكن تسميته “تسليع التاريخ”، حيث تتحول الوقائع إلى مادة للجدل السريع، لا للفهم العميق. فالحضارة المصرية، التي تمتد جذورها إلى نحو سبعة آلاف سنة، نشأت في سياقها الجغرافي والثقافي الخاص، كما أن حضارة بلاد الرافدين تمتد جذورها الى ثمانية الالف سنة، الأقدم زمنيًا، تطورت بدورها بشكل مستقل، مع وجود تفاعلات محدودة بين الحضارات، لا ترقى إلى مستوى “نقل حضارة”.
خاتمة: الحقيقة لا تُختصر
إن الدفاع عن الحقيقة التاريخية ليس انحيازًا قوميًا، بل التزامًا علميًا. فالحضارات لا تُختزل في فرضيات عابرة، ولا تُفسَّر بتشابهات سطحية، بل تُفهم عبر الأدلة والتراكم المعرفي. وفي زمنٍ تتسارع فيه الشائعات، يبقى الرهان على العقل… وعلى التاريخ حين يُكتب كما يجب أن يكون: علمًا، لا حكاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *