فنّ البدء من جديد
د. محمد عبد العزيز
السودان
ليس البدء من جديد فعلَ من لا يملك ماضيًا، بل هو شأنُ من امتلك من الشجاعة ما يجعله ينظر إلى ماضيه نظرة المالك لا الأسير؛ فيأخذ منه ما ينفعه، ويترك ما أثقله، ثم يمضي كأنما يولد مرةً أخرى، ولكن بوعيٍ أعمق، وبصيرةٍ أشدّ نفاذًا.
فالناس في الغالب لا يعجزون عن البدء، ولكنهم يعجزون عن الانفصال عمّا مضى. يحمل أحدهم تجاربه القديمة كأنها قدرٌ لا فكاك منه، ويستصحب إخفاقاته كأنها تعريفه الأبدي، فإذا همّ أن يخطو خطوةً جديدة، شدّته تلك القيود الخفية إلى الوراء، وقالت له: “لقد جرّبتَ وفشلت، فلمَ تعيد المحاولة؟” وهنا لا يكون العجز عجزَ قدرة، بل عجزَ إرادة.
إن البدء من جديد ليس إنكارًا للماضي، بل تصحيحٌ لعلاقته بالحاضر. فالماضي لا يُمحى، ولكنه يُفهم على وجهٍ آخر؛ قد كان يومًا عثرة، فيُصبح درسًا، وقد كان جرحًا، فيغدو علامةً على موضع القوة المقبلة. ومن لم يُحسن قراءة تاريخه، ظلّ يكرّر أخطاءه، ولو غيّر الوجوه والأماكن.
غير أن أشقّ ما في هذا الفنّ، أن تتخلّى عن صورةٍ ألفتَها لنفسك. فالإنسان قد يعتاد دورًا بعينه ناجحًا كان أو فاشلًا حتى يصبح جزءًا من هويته، فإذا دُعي إلى التغيير، خاف أن يفقد ذاته. وهنا يكمن الوهم الأكبر: أن الذات شيءٌ ثابت لا يتبدّل، مع أنها في حقيقتها كالنهر، يتجدّد ماؤه كل لحظة، ويبقى اسمه واحدًا. فمن أراد أن يبدأ من جديد، فعليه أن يقبل هذه الحقيقة: أنه ليس ما كان، بل ما يختار أن يكون.
ويخطئ من يظن أن البدء يحتاج إلى ظروفٍ مثالية، أو لحظةٍ فارقة تُغيّر كل شيء. فهذه اللحظات إن جاءت كانت ثمرة استعدادٍ طويل، لا سببًا مفاجئًا. والحقّ أن البداية الحقّة تبدأ من قرارٍ صغير، قد لا يلتفت إليه أحد، ولكنه في ميزان الأيام عظيم. كلمةٌ تقولها لنفسك: “سأفعل”، ثم تترجمها إلى فعلٍ ولو كان يسيرًا هو الحجر الأول في بناءٍ جديد.
على أن البدء من جديد لا يخلو من ألم. ففيه وداعٌ لآمالٍ لم تتحقق، واعترافٌ بأخطاءٍ لا يُحبّ المرء أن يراها، ومواجهةٌ لذاتٍ قد لا تُرضيه. لكنه ألمٌ كريم، لأنه يفتح بابًا لما هو أصدق وأبقى. ومن هرب من هذا الألم، بقي حبيس راحةٍ زائفة، لا هي سعادةٌ تُرضيه، ولا هي شقاءٌ يدفعه إلى التغيير.
ثم إن من شروط هذا الفنّ، أن تُحسن الصبر على نتائجك الجديدة. فالبداية بطبيعتها متعثّرة، مليئة بالتجريب، بعيدة عن الإتقان. ومن استعجل الثمرة، قطفها قبل نضجها، أو ترك الشجرة قبل أن تُثمر. فليكن لك من الصبر ما يُمكّنك من احتمال البدايات، ومن الثقة ما يُعينك على مواصلة الطريق، ولو بدا في أوله شاقًا أو غامضًا.
وليس في البدء من جديد ما يُنقص من قدرك، بل لعلّه يزيدك رفعة. فالذي يعترف بخطئه، ويُعيد المحاولة، أصدقُ من الذي يُكابر في الباطل، وأقوى من الذي يستسلم للعجز. إن الكرامة الحقة ليست في ألا تسقط، بل في أن تقوم بعد السقوط، وقد ازددت فهمًا وصلابة.
وهكذا، فإن فنّ البدء من جديد ليس مهارةً عابرة، بل هو فلسفة حياة؛ أن تؤمن بأن لكل نهايةٍ بداية، وأن لكل خسارةٍ معنى، وأن الطريق مهما طال لا يُغلق ما دمت تملك أن تخطو. فإذا ضاقت بك السبل، أو تعثرت خطاك، فاعلم أن في داخلك القدرة على أن تبدأ مرةً أخرى، لا من حيث انتهيت فحسب، بل من حيث فهمت ما لم تكن تفهم.
فابدأ… لا لأن الظروف تهيأت، بل لأنك قررت أن تكون إنسانًا لا تقف به الحياة عند حدّ، ولا تُقعده التجارب عن السير. ففي البدء من جديد حياةٌ أخرى، لا تُمنح لمن ينتظر، بل لمن يُقدِم.
فلنواصل المقالات الآتية بنفس السلوب والنهج: هل نحن أسرى العادات؟ كيف تغيّر حياتك في 1% يوميًا؟ وهم الكمال القراءة في عصر السرعة ماذا تعلّمنا الصحراء؟ بين العزلة والوحدة الاقتصاد الشخصي: كيف تدير مالك؟ هل النجاح حظ أم صناعة؟
سأمضي معك في هذه السلسلة على ذات النَّفَس الأدبي العميق، حيث الفكرةُ تُصاغ برويّة، والمعنى يُستخرج من تأمّل، والأسلوب يحمل شيئًا من جلال العبارة ورصانة الفكر.

