سيناريو: خارطة طريق مصرية للحل في اليمن
‼️وماذا بعد ‼️
بقلم: أشرف بن ماضي الخبير في شؤون اليمن
في حال قررت القاهرة الانخراط رسميا في رعاية الحل السياسي في اليمن، فإنها ستمتلك أوراق قوة لا تتوافر لغيرها. ومن المتوقع أن تتحرك مصر وفق سيناريو متدرج على خمس مراحل:
المرحلة الأولى: التمهيد وبناء الثقة
تعتمد هذه المرحلة على إطلاق دعوة مصرية شاملة لجميع الأطراف اليمنية للحوار في القاهرة، دون شروط مسبقة. وتشمل الأطراف: أنصار الله الحوثيين، الحكومة الشرعية، المجلس الانتقالي الجنوبي، وممثلي القوى السياسية والقبائل.
الهدف الأساسي هو إعادة الاعتبار للحوار اليمني اليمني بعيدا عن الوصاية الخارجية، مع التأكيد على أن أي اتفاق يجب أن يصدر من الداخل اليمني ويحظى بضمانات عربية.
المرحلة الثانية: وقف إطلاق النار والملف الإنساني
تربط مصر بين المسار السياسي والمسار الإنساني بشكل مباشر. ويتضمن ذلك:
1. إعلان هدنة شاملة في كل الجبهات تحت مراقبة عربية.
2. إعادة فتح مطار صنعاء وميناء الحديدة بشكل كامل ودون قيود.
3. صرف المرتبات المتوقفة وتوحيد السياسة النقدية عبر بنك مركزي واحد.
4. إطلاق جسر إغاثي مصري عربي عاجل للغذاء والدواء، مع نشر مستشفيات ميدانية مصرية في المناطق الأكثر تضررا.
المرحلة الثالثة: المعالجات الأمنية والعسكرية
تقترح مصر نموذج “الجيش الوطني الواحد” كبديل عن تعدد الجيوش والميليشيات. ويقوم على:
1. تشكيل لجنة عسكرية يمنية عليا تشرف عليها القاهرة.
2. دمج القوات المنضوية تحت مختلف التشكيلات في مؤسسة عسكرية وأمنية موحدة.
3. تأمين الممرات الملاحية في البحر الأحمر وباب المندب ضمن اتفاق إقليمي يضمن حرية الملاحة ويحمي الأمن القومي المصري والعربي.
المرحلة الرابعة: التسوية السياسية وبناء الدولة
تقوم على إعلان فترة انتقالية مدتها سنتان، تتشكل خلالها حكومة وفاق وطني مناصفة بين الشمال والجنوب. وتتولى هذه الحكومة مهام:
1. صياغة دستور جديد يقر بنظام حكم لا مركزي يحفظ وحدة اليمن.
2. الإعداد لانتخابات برلمانية ورئاسية تحت إشراف عربي ودولي.
3. معالجة ملف الجنوب عبر حوار خاص يضمن الحقوق دون المساس بوحدة الدولة.
المرحلة الخامسة: إعادة الإعمار والتنمية
وهي المرحلة الأطول والأكثر كلفة. وتقوم على إنشاء صندوق عربي دولي لإعادة إعمار اليمن برأس مال يبدأ بمئة مليار دولار.
وتقود الشركات المصرية عملية البناء في قطاعات الكهرباء والطرق والإسكان والموانئ، بالشراكة مع شركات خليجية ودولية. كما يتم تفعيل دور العمالة اليمنية في مصر ضمن برامج تدريب وتأهيل لدعم عودة الكفاءات إلى اليمن.
النتائج المتوقعة من السيناريو المصري
1. إنهاء الحرب وتحويلها من صراع إقليمي بالوكالة إلى تسوية عربية خالصة.
2. استعادة الأمن في البحر الأحمر وضمان استقرار قناة السويس.
3. عودة الدور المصري إلى قلب الأحداث العربية بعد غياب سنوات.
4. فتح سوق ضخم لإعادة الإعمار يخدم الاقتصاد المصري والعربي.
التحديات التي تواجه السيناريو المصري
رغم أن السيناريو المصري يمثل مقاربة واقعية ومتوازنة للحل في اليمن، فإنه يواجه عددا من التحديات التي قد تعيق تنفيذه أو تؤخره.
أولا: على المستوى الداخلي اليمني، لا تزال هناك فجوة ثقة كبيرة بين الأطراف نتيجة سنوات الحرب الطويلة. كما أن بعض القوى الميدانية قد ترفض التنازل عن مكاسبها العسكرية والسياسية، خاصة فيما يتعلق بملف السلاح وملف الجنوب.
ثانيا: على المستوى الإقليمي، قد تواجه المبادرة المصرية تحفظات من بعض الدول التي لها حضور مباشر في الملف اليمني، وتخشى أن يؤدي الدور المصري إلى تقليص نفوذها. كما أن الأطراف الإقليمية الداعمة لأطراف الصراع قد لا ترغب في إنهاء الحرب بسرعة لأسباب تتعلق بموازين القوى.
ثالثا: على المستوى المصري والذاتي، يتطلب تنفيذ هذا السيناريو إمكانات مالية ولوجستية كبيرة، في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها القاهرة. كما أن فشل الحوار لا قدر الله قد يحمل مصر وحدها تبعات سياسية وإعلامية.
رابعا: على المستوى الدولي، قد يحاول البعض التمسك بالمسار الأممي باعتباره الإطار الشرعي الوحيد، مما يستدعي تنسيقا وثيقا بين المبادرة المصرية والجهود الدولية لضمان عدم حدوث تضارب أو ازدواجية.
وختاما، فإن نجاح السيناريو المصري مرهون بثلاثة عوامل أساسية: إرادة يمنية حقيقية للسلام، ودعم عربي جماعي للمبادرة، وغطاء دولي يسهم في توفير الموارد اللازمة لإعادة الإعمار. وإذا توافرت هذه العناصر، فإن القاهرة قادرة على تحويل هذا السيناريو من رؤية نظرية إلى خطة عمل واقعية تعيد لليمن استقراره وللعرب أمنهم القومي.
الخلاصة
إن دخول مصر على خط الحل لا يعني الانحياز لطرف على حساب آخر، بل يعني تقديم نموذج عربي للحلول يقوم على التوازن والتاريخ المشترك.
وإذا نجحت القاهرة في ذلك، فإنها لن تنقذ اليمن فقط، بل ستعيد صياغة معادلات الأمن القومي العربي كله.

