حين تهرب اللوحة من إطارها وتبحث عن وطنٍ في الحلم - النايل نيوز
الأحد, أغسطس 9, 2026
الرئيسيةمقالاتحين تهرب اللوحة من إطارها وتبحث عن وطنٍ في الحلم
مقالات

حين تهرب اللوحة من إطارها وتبحث عن وطنٍ في الحلم

خالد الحجار… حين تهرب اللوحة من إطارها وتبحث عن وطنٍ في الحلم

هناك فنانون يرسمون الأشياء كما تراها العين، وهناك فنانون آخرون يرسمون ما لا تستطيع العين أن تراه. وبين الفريقين يولد عالم ثالث، عالم لا تعترف فيه اللوحة بالجدران، ولا يعترف اللون بحدود الواقع، ولا يكون الإنسان إنسانًا كامل الملامح، بل سؤالًا مفتوحًا على المجهول.

في هذا العالم يقف الفنان التشكيلي خالد الحجار، خريج كلية الفنون، حاملاً فرشاته كما يحمل المسافر خريطةً لا تقوده بالضرورة إلى مكان، وإنما إلى أعماق الروح.

الحجار ليس مجرد فنان تشكيلي يضع الألوان على القماش؛ إنه فنان سريالي يتعامل مع اللوحة باعتبارها فضاءً للعبور. العبور من المرئي إلى الخفي، ومن الواقع إلى الحلم، ومن الأشياء التي نعرفها إلى تلك التي نشعر بها دون أن نعرف أسماءها.

في أعماله لا تبدو الأشياء مستقرة. الوجوه قابلة للتحول، والأجساد قد تتحول إلى ظلال، والظلال قد تستعيد هيئة الإنسان، فيما يبدو الزمن نفسه وكأنه فقد ساعته وقرر أن يمشي بلا عقارب.

وهنا تكمن خصوصية التجربة.

فالسريالية عند خالد الحجار ليست مجرد غرابة شكلية أو بحث عن صور غير مألوفة، وإنما محاولة لتفكيك الواقع وإعادة تركيبه وفق منطق الحلم. إنه لا يسأل اللوحة: ماذا ترين؟ بل يسألها: ماذا تخفين؟

الفنان الذي يجعل الحلم مادةً للّون

حين يدخل المتلقي إلى عالم الحجار، لا يدخل معرضًا بالمعنى التقليدي، بل يدخل إلى منطقة رمادية بين اليقظة والمنام.

هناك تتحرر الأشكال من وظائفها اليومية، ويصبح للوجه أكثر من وجه، وللعين أكثر من ذاكرة، وللجسد أكثر من احتمال.

إنها لوحات لا تريد أن تمنح المتلقي إجابة جاهزة، بل تدفعه إلى إنتاج أسئلته الخاصة.

وهذا تحديدًا ما يجعل التجربة السريالية تجربة مفتوحة؛ فاللوحة لا تنتهي عند توقيع الفنان، وإنما تبدأ من جديد عندما يقف أمامها المتلقي.

كل عين ترى لوحة مختلفة، وكل روح تستخرج منها حكاية مختلفة.

من تونس إلى العالم… رحلة اللون بلا حدود

استطاع خالد الحجار أن يفتح لتجربته مساحات عرض خارج حدود المكان، فأقام عديد المعارض في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، إلى جانب حضوره الفني في فضاءات أخرى، غير أن باريس، عاصمة النور، ظلت إحدى المحطات الأبرز في مسيرته الفنية.

وليس اختيار باريس مجرد تفصيل جغرافي في السيرة الفنية، فالعاصمة الفرنسية ظلت تاريخيًا واحدة من أهم المدن التي احتضنت المدارس والتيارات الفنية الحديثة، وتحولت إلى ملتقى للفنانين الذين يبحثون عن فضاء يتجاوز الحدود المحلية.

وفي باريس، يصبح الفنان العربي أمام سؤال مضاعف: كيف يحافظ على جذوره وهو يحاور عالمًا فنيًا متعدد المرجعيات؟

خالد الحجار يجيب عن ذلك بطريقته الخاصة: لا بالعودة إلى الماضي باعتباره متحفًا مغلقًا، ولا بالتخلي عن الذاكرة من أجل إرضاء الآخر، وإنما بتحويل الذاكرة نفسها إلى مادة فنية قابلة لإعادة الاكتشاف.

عضوية في الأكاديمية البلجيكية للفنانين السرياليين الجدد

ويكتسب المسار الفني للحجار بعدًا آخر من خلال عضويته في الأكاديمية البلجيكية للفنانين السرياليين الجدد، وهي محطة تعكس ارتباط تجربته بالفضاء السريالي المعاصر، حيث تواصل السريالية، رغم مرور عقود على ولادتها، البحث عن أشكال جديدة للتعبير عن الإنسان والواقع واللاوعي.

والسريالية في معناها الأعمق ليست هروبًا من الواقع، بل قد تكون أحيانًا الطريقة الأكثر جرأة لمواجهته.

فحين يصبح الواقع قاسيًا، قد يحتاج الفنان إلى كسره كي يستطيع رؤيته.

وحين يصبح المنطق عاجزًا عن تفسير تناقضات الإنسان، يأتي الحلم ليكمل الجملة الناقصة.

وهكذا تتحول اللوحة عند الحجار إلى منطقة مقاومة للجاهز، للنسخة الواحدة، وللإجابة النهائية.

اللون ليس زينة… إنه ذاكرة

في تجربة الحجار، لا يأتي اللون ليجمّل الشكل فقط.

اللون كائن حي.

له مزاجه وذاكرته وقلقه.

قد يبدو اللون هادئًا، لكنه يخفي عاصفة. وقد يبدو داكنًا، لكنه يحمل في داخله نافذة مضيئة. وقد تتجاور الألوان كما تتجاور الأحلام المتناقضة داخل رأس واحد.

وهنا تصبح عملية الرسم أشبه بعملية حفر في الذاكرة.

الفنان لا يضيف اللون فقط، بل ينتزع شيئًا من داخله ويتركه على القماش.

ولذلك فإن اللوحة السريالية الناجحة لا تُقاس بعدد الأشكال التي تحتويها، وإنما بمقدار الأسئلة التي تتركها بعد مغادرة قاعة العرض.

الحجار… فنان لا يكتفي بإنتاج اللوحة

تجربة خالد الحجار لا تتوقف عند حدود الإنتاج التشكيلي، فهو فنان جعل من البحث والتجريب جزءًا من هويته الإبداعية.

إنه يتحرك داخل مساحة لا تفصل بين الفنان والباحث عن أسرار الصورة.

فاللوحة عنده ليست نهاية الرحلة، بل محطة في طريق طويل.

وكل معرض هو بمثابة فصل جديد.

وكل عمل فني نافذة أخرى.

وكل نافذة تفتح على مدينة لا تشبه المدينة التي قبلها.

ربما لهذا تبدو تجربته أقرب إلى رحلة مستمرة داخل متاهة جميلة؛ متاهة لا يريد الفنان الخروج منها، لأن الخروج منها يعني الوصول إلى النهاية، بينما الفن الحقيقي يعيش دائمًا في المنطقة التي لا نهاية لها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *