أنا وصديقي الفيلسوف
الحلقة الثالثة: القضية التي لا شاهد فيها إلا الله
د رشا علي الدين
قلتُ لصديقي الفيلسوف:
— سمعتُ عبارةً هزّتني:
«القضية اللي مفيهاش شهود إلا ربنا… كسبانة كسبانة».
ابتسم في هدوء، ثم قال:
— هي عبارة تُطمئن القلب، لكن ينبغي أن نفهمها جيدًا؛ ففي محاكم الدنيا لا تُربح القضايا بالمشاعر،
ولا يكفي أن يكون صاحب الحق صادقًا في نفسه. القضاء يحكم بما يُقدَّم إليه من أدلة،
وقد تضيع الحقيقة حين يغيب شاهدها، أو تُمحى آثارها، أو يُحسن الباطل ارتداء ثياب البراءة.
قلتُ:
— وهل معنى ذلك أن صاحب الحق قد يخسر قضيته؟
قال:
— قد يخسر حكمًا في الدنيا، نعم؛ فالقاضي بشر، لا يعلم الغيب، ولا يملك إلا الأوراق والشهود والقرائن التي بين يديه.
ولكن خسارة الدعوى ليست دائمًا خسارةً للحقيقة، والبراءة أمام الناس لا تعني بالضرورة البراءة أمام الله.
قلتُ:
— إذن كيف تكون القضية التي لا شاهد فيها إلا الله «كسبانة»؟
قال:
— لأنها معروضة أمام قاضٍ لا يُضلله شاهد زور، ولا تُخفى عنه ورقة، ولا تنطلي عليه حيلة، ولا تسقط عنده الحقوق بالتقادم.
يعلم ما قيل، وما لم يُقل؛ وما حدث في العلن، وما دُبِّر في الخفاء؛ ويعلم دمعة المظلوم التي أخفاها كبرياؤه، وضحكة الظالم التي ستر بها جريمته.
قلتُ:
— لكن انتظار عدالة السماء قد يطول، وصاحب الحق يتألم الآن!
أجابني:
— طول الانتظار لا يعني ضياع الحق، وتأخر الجزاء لا يعني غياب العدل.
نحن نقيس الزمن بأيامنا القصيرة، أما عدالة الله فلا يحكمها استعجالنا. قد يظهر الحق في الدنيا،
وقد يُؤجَّل إلى يوم لا تنفع فيه سلطة، ولا مال، ولا شهود صُنعت شهاداتهم على المقاس.
ثم سألني:
— أتدرين ما الذي يرهق المظلوم أكثر من الظلم؟
قلتُ:
— أن يعجز عن إثباته؟
قال:
— نعم؛ أن يعرف الحقيقة كاملةً، ثم يطالبه الجميع بدليلٍ لا يملكه. أن يرى مَن ظلمه يطمئن لأنه أتقن إخفاء أثره، ويظن أن غياب الشاهد قد أغلق القضية إلى الأبد.
قلتُ:
— وماذا تقول لمن يظن أن ذكاءه في إخفاء ظلمه قد أنجاه؟
قال:
— أقول له: ربما استطعت أن تختار مكان الجريمة وموعدها، وأن تمحو الدليل، وتُسكت الشاهد، وتصنع لنفسك روايةً مقنعة؛
لكنك نسيت أن الله كان حاضرًا قبل أن تصل، وشاهدًا حين فعلت، وعليمًا بما أخفيت بعد أن رحلت.
ثم استطرد:
— ما أخطر أن يطمئن الإنسان لأن أحدًا لم يره! فبعض الناس لا يمنعهم عن الخطأ ضمير، وإنما يمنعهم خوف الفضيحة.
فإذا أمنوا أعين البشر، استباحوا ما حرّم الله، وكأن غياب الناس يعني غياب الحقيقة.
قلتُ:
— وهل يكفي للمظلوم أن يفوض أمره إلى الله؟
قال:
— التفويض إلى الله ليس دعوةً إلى الاستسلام أو ترك الوسائل المشروعة.
على الإنسان أن يحفظ حقه، ويوثّق معاملاته، ويلجأ إلى القانون، ويقدم ما يستطيع من دليل.
فإذا استنفد الأسباب وعجز عن الإثبات، فلا يجعل عجزه عن إقناع الناس سببًا للشك في نفسه أو اليأس من عدالة ربه.
ثم نظر إليّ وقال:
— في محاكم البشر قد تُغلق القضية لنقص الأدلة، أما في محكمة السماء فلا يوجد ملف ناقص؛
فكل شيء محفوظ، وكل قول مكتوب، وكل نية معلومة، وكل حق مردود إلى صاحبه.
صمتُّ لحظةً، ثم قلت:
— الآن فهمتُ العبارة؛ ليست القضية كسبانة لأن النصر سيأتي بالضرورة في الصورة التي نريدها أو في الموعد الذي نختاره،
ولكن لأنها لن تضيع عند مَن يعلم حقيقتها كاملة.
ابتسم صديقي الفيلسوف وقال:
— تمامًا… فإذا كان الله هو الشاهد، فلا تخشَ ضياع الحقيقة؛ بل اخشَ أن تكون أنت المتهم.
غادرتُه وأنا أردد في نفسي:
قد تنجو من حكم الناس لنقص الدليل، لكنك لا تنجو من علم الله بكمال الحقيقة.
فيا كلَّ مظلومٍ لم يجد شاهدًا، ولا امتلك ورقةً، ولا استطاع أن يُسمع الناس صوته: لا تيأس؛
فالقضية التي لا شاهد فيها إلا الله، لم تُحفظ في محضرٍ قد يضيع، وإنما حُفظت عند مَن لا يَضِلُّ ولا ينسى.
القضية اللي مفيهاش شهود إلا ربنا… كسبانة كسبانة.
انتظروا الحلقة القادمة من سلسلة
«أنا وصديقي الفيلسوف»
د رشا علي الدين
#أنا_وصديقي_الفيلسوف
#الحلقة_الثالثة
#عدالة_السماء
#حق_المظلوم
#لا_يضيع_حق

