الولاية التعليمية.. حق قانوني يحمي مستقبل الطفل ولا يمنح أحدًا سلطة العبث بمصيره
بقلم هاجر محمد حسني المحامية
عندما تنتهي الحياة الزوجية، يجب ألا تبدأ معركة جديدة يكون الطفل هو ضحيتها. ومن أكثر الملفات التي تتحول فيها الخلافات بين الأبوين إلى صراع قانوني: الولاية التعليمية.
فهل يحق للأب أن ينقل ابنه من مدرسته دون موافقة الأم الحاضنة؟ وهل تستطيع الأم اتخاذ القرارات التعليمية بمفردها؟ ومن يملك الكلمة القانونية عند اختلاف الأب والأم؟ وما الإجراء الذي يمكن اللجوء إليه إذا تحول التعليم إلى وسيلة للضغط والانتقام؟
الإجابة حسمها المشرع المصري بنص صريح.
ما المقصود بالولاية التعليمية؟
الولاية التعليمية هي سلطة إدارة شؤون الطفل التعليمية واتخاذ الإجراءات والقرارات المرتبطة بتعليمه، مثل التعامل مع المدرسة والجهات التعليمية، وإجراءات القيد والتحويل ومتابعة الملف الدراسي، في الحدود التي يقررها القانون واللوائح المنظمة.
والأهم أن الولاية التعليمية ليست امتيازًا للأب أو الأم، وإنما وسيلة قانونية لحماية مصلحة الطفل التعليمية واستقراره.
وقد جاءت المادة 54 من قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996، المعدلة بالقانون رقم 126 لسنة 2008، لتحسم الأمر بوضوح، فنصت على:
««التعليم حق لجميع الأطفال في مدارس الدولة بالمجان. وتكون الولاية التعليمية على الطفل للحاضن، وعند الخلاف على ما يحقق مصلحة الطفل الفضلى يرفع أي من ذوي الشأن الأمر إلى رئيس محكمة الأسرة، بصفته قاضيًا للأمور الوقتية، ليصدر قراره بأمر على عريضة، مراعيًا مدى يسار ولي الأمر، وذلك دون المساس بحق الحاضن في الولاية التعليمية.»»
وهنا تكمن نقطة قانونية شديدة الأهمية: الولاية التعليمية تثبت للحاضن بنص القانون، ولا تحتاج في أصلها إلى حكم قضائي جديد لإنشائها، وإنما تظهر أهمية اللجوء إلى المحكمة عند وجود نزاع حول ما يحقق مصلحة الطفل الفضلى.
وقد سبق أن تناولت المحكمة الدستورية العليا النص، وقضت في عام 2016 بعدم قبول الطعن على دستورية المادة 54 فيما تضمنته من إسناد الولاية التعليمية للحاضن.
لماذا الولاية التعليمية مهمة؟
لأن التعليم ليس مجرد تسجيل اسم الطفل في مدرسة، وإنما هو استقرار ومستقبل ومسار حياة.
وقد يحاول أحد الأبوين، بسبب الخلافات الزوجية، نقل الطفل من مدرسة إلى أخرى، أو تغيير نوع التعليم، أو اتخاذ قرار يضر باستقراره الدراسي. وهنا يتدخل القانون ليضع مصلحة الطفل الفضلى فوق رغبات الأب والأم.
وقد أكدت أحكام قضائية أن مصروفات التعليم تدخل ضمن نفقة الصغير، وأن تقديرها يرتبط بيسار الأب وحاجة الطفل ومستواه التعليمي، كما أن الولاية التعليمية للحاضن لا تعني إسقاط التزام الأب بالإنفاق على تعليم ابنه متى توافرت شروط الالتزام.
وماذا تفعل الأم إذا رفض الأب إجراءات التعليم؟
إذا كانت الأم هي الحاضنة ووجد نزاع حقيقي حول قرار تعليمي يمس مصلحة الطفل، فلها أن تتوجه إلى محكمة الأسرة وتطلب من رئيس المحكمة، بصفته قاضيًا للأمور الوقتية، إصدار أمر على عريضة وفقًا للمادة 54.
وعمليًا، يجب أن يكون الطلب مدعومًا بالمستندات التي تثبت صفة الحاضنة وبيانات الطفل ووجود النزاع، وما يؤيد القرار التعليمي المطلوب اتخاذه، مع بيان وجه مصلحة الطفل فيه.
وهنا لا ينبغي تحويل الدعوى إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الزوجين؛ فالمحكمة لا تبحث عمن انتصر في الخلاف الزوجي، وإنما تبحث عن ما يحقق مصلحة الطفل.
هل الولاية التعليمية تعني أن الأب فقد كل حقوقه؟
الإجابة: لا.
الولاية التعليمية للحاضن لا تعني إسقاط الأبوة، ولا تلغي حق الأب في متابعة ابنه أو معرفة أحواله التعليمية، كما لا تعني إعفاءه من التزاماته المالية. وإنما تعني أن الحاضن هو صاحب الولاية التعليمية وفق النص القانوني، مع بقاء حق ذوي الشأن في اللجوء إلى القضاء عند النزاع.
كما أن قانون الطفل نظم مراحل التعليم قبل الجامعي، فنصت المادة 59 على أن التعليم قبل الجامعي يشمل مرحلة التعليم الأساسي الإلزامي ومرحلة التعليم الثانوي العام والفني.
وفي النهاية، يجب أن ندرك أن الطفل ليس ورقة ضغط، والمدرسة ليست سلاحًا في الخلافات الزوجية، والتعليم ليس مجالًا للانتقام.
فالولاية التعليمية لم تُقرر لتمنح أحد الأبوين سلطة على الآخر، وإنما لتمنح الطفل حقًا في الاستقرار، وتحمي مستقبله من أن يصبح رهينة لخلافات الكبار.
وعندما يختلف الأب والأم، يجب أن يكون السؤال الوحيد أمام الجميع: أي قرار يحقق مصلحة الطفل؟
لأن الأب قد يطلق زوجته، والزوجة قد تنفصل عن زوجها، لكن الطفل لا يستطيع أن يطلق والديه من مسؤوليتهم تجاه مستقبله.
وفي قضايا الولاية التعليمية، لا ينبغي أن ينتصر الأب على الأم، ولا الأم على الأب؛ الذي يجب أن ينتصر دائمًا هو الطفل.

