من الفنان إلى التريند.. إمتى بقى الظهور أهم من التمثيل؟
داليا حسام
لما بقينا نسأل عن التريند قبل الموهبة
إمتى بقينا نسأل عن الفنان: «تريند ولا لأ؟» قبل ما نسأل: «بيمثل إزاي؟»
سؤال يمكن يبدو قاسيًا، لكنه يستحق إننا نتوقف أمامه شوية.
لأن الفن، خصوصًا التمثيل، كان له زمان قواعد مختلفة.
كان الممثل يدخل بيت الجمهور من خلال شخصية. نفتكره من دور، ونحبه بسبب مشهد،
ونحترمه لأنه قدر يقنعنا إنه شخص آخر، وننسى للحظات إن اللي قدامنا ممثل بيؤدي دورًا مكتوبًا.
كان الدور هو اللي يصنع الفنان.
أما اليوم، فأصبحت المعادلة أكثر تعقيدًا. الفنان لا يكفيه أحيانًا أن يقدم عملًا جيدًا، لكنه أصبح مطالبًا بأن يكون حاضرًا طوال الوقت.
صورة هنا.. فيديو هناك.. مقابلة.. تصريح.. إطلالة.. موقف يتحول إلى حديث الناس.
وبعدها يبدأ السؤال:
«هو تريند؟»
وكأننا انتقلنا من زمن كان فيه الفنان يبحث عن دور يعيش، إلى زمن يبحث فيه أحيانًا عن لحظة تنتشر.
زمان.. الشخصية كانت بطاقة الفنان
لو رجعنا بالذاكرة إلى أجيال سابقة، هنلاقي إن أسماء كثيرة ارتبطت في أذهاننا بشخصيات قدموها.
لم نكن نحتاج إلى عشرات المقابلات لنعرف الفنان، ولا إلى أن نراه كل يوم على الشاشة حتى نشعر بوجوده.
كان يكفي أن يظهر في عمل قوي، يؤدي دوره بإحساس، يترك بصمته، ثم يختفي قليلًا.
والاختفاء لم يكن معناه أن الفنان انتهى.
بالعكس، كان أحيانًا جزءًا من هيبته؛ لأن الجمهور كان ينتظر ظهوره.
وكانت المسافة بين الفنان والجمهور تسمح بشيء مهم جدًا:
الخيال.
لم نكن نعرف كل تفاصيل حياة الفنان، ولذلك كانت الشخصية التي يقدمها لنا هي المساحة الأكبر التي نتعامل من خلالها معه.
أما اليوم، فقد أزالت السوشيال ميديا كثيرًا من هذه المسافة.
أصبحنا نرى الفنان قبل الشخصية، وبعد الشخصية، وخارج الشخصية.
وهنا يظهر سؤال مهم:
هل أصبحنا نعرف الفنان أكثر مما نعرف أدواره؟
الفنان.. ولا الصورة اللي بيقدمها عن نفسه؟
المشكلة مش في إن الفنان يكون قريبًا من جمهوره، ولا في إنه يستخدم السوشيال ميديا أو يشارك لحظاته وأعماله.
كل ده أصبح جزءًا طبيعيًا من الحياة الحديثة.
لكن السؤال الحقيقي هو:
هل أصبحت الصورة التي يقدمها الفنان عن نفسه على السوشيال ميديا أهم من الشخصية التي يقدمها داخل العمل؟
هل أصبح بعض الجمهور يعرف الفنان من فيديوهاته وتصريحاته أكثر مما يعرفه من أدواره؟
وهل أصبح الحفاظ على الحضور اليومي أحيانًا أكثر أهمية من تقديم أداء استثنائي؟
هنا تظهر أزمة التريند.
لأن التريند سريع، بينما التمثيل يحتاج وقتًا.
التريند يحتاج لحظة، أما الشخصية الجيدة فتحتاج بناءً.
التريند يريد منك أن تتفاعل الآن، أما الدور الحقيقي فيمكن أن يجعلك تفكر فيه بعد سنوات.
والممثل الحقيقي مش وظيفته إنه يكون مشهورًا فقط.
وظيفته إنه يقنعك.
يقنعك إنه الشخصية.
تصدقه وهو بيبكي، وتصدقه وهو بيضحك. تكره الشخصية لو المفروض تكرهها، وتتعاطف معاها لو المفروض تتعاطف.
تنسى للحظة الشخص الحقيقي الذي يقف خلفها.
وهنا يظهر الفرق بين ممثل يدخل جوه الشخصية، وفنان يصبح حريصًا طوال الوقت على الحفاظ على صورته أمام الجمهور.
الفن يحتاج ممثلًا مستعدًا أن يغيّر شكله وصوته وطريقته، وحتى صورته المعتادة، من أجل أن يكسب الشخصية.
لما بقى ما حول العمل أهم من العمل
الجمهور زمان كان ينتظر العمل نفسه.
وكان الممثل لا يستطيع أن يختبئ خلف حضوره الشخصي.
في النهاية، الشاشة هي التي ستحكم:
هل أقنعنا؟
هل كان مناسبًا للدور؟
هل استطاع أن يجعلنا ننسى شخصيته الحقيقية؟
هل قدم شيئًا جديدًا؟
أما اليوم، فالفنان يعيش في عالم يستطيع فيه أي موقف خارج العمل أن يسرق الأضواء من العمل نفسه.
قد يبدأ الحديث عن مسلسل، ثم يتحول الكلام إلى ملابس الفنان، أو تصريحاته، أو علاقاته، أو فيديو نشره، أو موقف حدث معه.
وفجأة يصبح ما حول العمل أهم من العمل.
وهنا نخسر شيئًا مهمًا جدًا:
أن نتكلم عن الفن باعتباره فنًا.
وربما جزء من الحكاية يرجع إلينا نحن أيضًا.
لأن الجمهور عندما يمنح اهتمامًا ضخمًا لأي شيء، يتحول هذا الشيء إلى مساحة مطلوبة.
فإذا كان الجمهور يتفاعل مع الفنان عندما يتحدث عن حياته أكثر من تفاعله مع دوره، فمن الطبيعي أن تكبر هذه المساحة.
وهنا لازم نسأل نفسنا:
إحنا بنستهلك الفن.. ولا بنستهلك الفنان؟
لأن الفرق كبير.
مش كل تريند دليل على النجومية
الانتشار لا يعني بالضرورة الموهبة، مثلما أن عدم تصدر الفنان للتريند لا يعني أنه غير موهوب.
هناك فنان قد يكون قليل الظهور، لكنه يقدم عملًا يظل عالقًا في ذاكرة الناس.
وهناك من قد يصبح حديث الناس أيامًا، ثم لا يبقى من حضوره شيء بعد انتهاء الضجة.
لذلك ربما نحتاج إلى إعادة التفكير في معنى كلمة «نجم».
النجم مش هو الشخص اللي اسمه ظاهر طول الوقت.
النجم هو الشخص اللي يظل حاضرًا حتى عندما يختفي.
الفنان الحقيقي ممكن يكون حاضر جدًا من غير ما يظهر كل يوم، وممكن يغيب فترة ثم يرجع بدور يجعل الجمهور يقول:
«إحنا كنا مستنيينه.»
وهنا يمكن تكون المسافة بين الفنان والتريند هي نفسها المسافة بين الأثر والضجة.
لأن الضجة صوتها عالي، لكنها قصيرة.
أما الأثر، فقد يكون هادئًا، لكنه يعيش.
عندما تنتهي الضجة.. ماذا يبقى؟
في بداية الحكاية سألنا:
إمتى بقينا نسأل عن الفنان «تريند ولا لأ؟» قبل ما نسأل «بيمثل إزاي؟»
يمكن دلوقتي نكون وصلنا للإجابة.
لأن التريند ممكن يلفت نظرنا، والسوشيال ميديا ممكن تخلي الفنان حاضر طول الوقت،
لكن كل ده يفضل مجرد حضور لو مفيش وراه موهبة حقيقية ودور يستحق إنه يعيش.
لما تهدأ الضجة، وتقفل الكاميرات، وينتهي الكلام عن الإطلالة والتصريح والفيديو، بيفضل السؤال الأهم:
إيه اللي فضل من الفنان؟
هل فضل دور نفتكره؟
شخصية عشنا معاها؟
مشهد لمسنا؟
أداء خلانا نصدق الحكاية وننسى للحظة إننا بنتفرج على تمثيل؟
لأن الفنان الحقيقي مش بالضرورة هو اللي نشوفه كل يوم، لكنه اللي نقدر نفتكره حتى بعد سنين من آخر مرة ظهر فيها.
يمكن الشهرة تصنع حضورًا، لكن الفن هو اللي يصنع أثرًا.
وعشان كده، يمكن محتاجين نرجع نسأل السؤال من البداية، لكن بشكل مختلف:
مش «مين تريند؟»…
لكن:
«مين عنده موهبة تخليه يفضل موجود حتى بعد ما التريند يختفي؟»
لأن التريند ممكن يخلّي الناس تتكلم عن الفنان يوم…
لكن الدور هو اللي يخليهم يفتكروه سنين.

