من العبوة إلى جسم الإنسان.. مخاطر هجرة المعادن الثقيلة من ملامسات الغذاء وكيف تختار المنتج الآمن؟
✍️ بقلم: د.كيميائي/ أحمد الجندي
ملامسات الغذاء.. خطر لا نراه بالعين
هل فكرت يومًا أن الطبق الذي تضع فيه طعامك، أو الكوب الذي تشرب منه، أو الإناء الذي تطهو فيه الطعام، يمكن أن يكون جزءًا من منظومة سلامة الغذاء؟
الحقيقة أن سلامة الغذاء لا تتوقف عند جودة الطعام نفسه، وإنما تمتد إلى كل مادة أو أداة تلامسه.
لأن بعض المواد الكيميائية يمكن أن تنتقل من سطح المنتج إلى الغذاء، في ظاهرة تعرف علميًا باسم هجرة المواد Migration أو انطلاق العناصر Release.
ولا يعني حدوث الهجرة تلقائيًا أن المنتج خطير، فالعبرة بالعنصر الذي انتقل، وكميته، وظروف التلامس، والحدود المسموح بها وفق المواصفات القياسية المعتمدة.
لكن المشكلة تبدأ عندما تكون المادة غير مناسبة لملامسة الغذاء، أو عندما تتجاوز العناصر المنتقلة الحدود الآمنة.
ما المقصود بهجرة المعادن إلى الغذاء؟
الهجرة هي انتقال مكونات أو عناصر كيميائية من المادة الملامسة للغذاء إلى الغذاء نفسه، أو إلى وسط يحاكي الغذاء أثناء الاختبارات المعملية.
وتتأثر عملية الهجرة بعدة عوامل، أهمها:
– نوع المادة وتركيبها الكيميائي.
– نوع الغذاء.
– درجة حموضة الغذاء.
– وجود الأملاح أو الدهون.
– درجة الحرارة.
– مدة التلامس.
– مساحة سطح التلامس.
– حالة السطح والطلاء.
– تكرار استخدام المنتج.
ولهذا فإن تقييم سلامة المنتج يجب أن يتم وفق الاستخدام المقصود وظروف الاستخدام الفعلية أو المتوقعة.
لماذا تمثل المعادن الثقيلة مصدر قلق صحي؟
مصطلح “المعادن الثقيلة” يستخدم بشكل واسع، لكن التأثير الصحي يختلف بشدة من عنصر إلى آخر، كما تختلف السمية حسب الصورة الكيميائية وجرعة التعرض ومدة التعرض.
ومن العناصر التي تحظى باهتمام كبير في تقييم المخاطر الكيميائية:
الرصاص Pb
الرصاص مادة سامة يمكن أن تؤثر على الجهاز العصبي، كما أن التعرض له يمثل خطورة خاصة على الأطفال والجنين أثناء الحمل.
ولهذا فإن الحد من التعرض للرصاص يمثل هدفًا أساسيًا في مجال سلامة الغذاء ومواد ملامسة الغذاء.
الكادميوم Cd
يمكن أن يتراكم الكادميوم في الجسم مع التعرض المزمن، ويرتبط بشكل خاص بتأثيرات على الكلى والعظام.
كما أن التعرض المزمن للكادميوم ومركباته يمثل مصدر قلق من ناحية خطر الإصابة بالسرطان.
الزرنيخ As
تختلف سمية الزرنيخ بصورة كبيرة حسب شكله الكيميائي.
ويعد الزرنيخ غير العضوي من أهم مصادر القلق الصحي، إذ ارتبط التعرض المزمن له بزيادة مخاطر بعض أنواع السرطان، إضافة إلى تأثيرات صحية أخرى.
الزئبق Hg
تختلف خطورة الزئبق بحسب صورته الكيميائية، ويعد ميثيل الزئبق من أهم أشكال التعرض الغذائي التي تحظى باهتمام صحي، لما له من تأثيرات عصبية، خصوصًا على نمو الجهاز العصبي.
النيكل والكروم
يمكن أن تدخل عناصر مثل النيكل والكروم في تركيب بعض السبائك المعدنية.
لكن وجودها في السبيكة لا يعني تلقائيًا أن المنتج غير آمن؛ المهم هو مقدار انطلاقها أو انتقالها إلى الغذاء تحت ظروف الاستخدام ومدى مطابقته للحدود المقررة.
هل وجود المعادن الثقيلة يعني أن المنتج يسبب السرطان؟
الإجابة العلمية: لا يمكن قول ذلك بهذه الصورة المباشرة.
وجود عنصر معين داخل خامة أو منتج لا يعني بالضرورة وصوله إلى الغذاء بكمية ضارة، كما أن خطر السرطان لا يعتمد على مجرد وجود العنصر، وإنما على نوع العنصر وشكله الكيميائي ومستوى التعرض ومدة التعرض.
لذلك فإن تقييم سلامة ملامسات الغذاء يعتمد على قياس أو تقدير مقدار ما يمكن أن ينتقل إلى الغذاء، ومقارنته بالحدود والمتطلبات التي تحددها المواصفات والجهات العلمية المختصة.
وهنا تظهر أهمية اختبارات Migration وSpecific Migration وRelease حسب طبيعة المنتج والمادة.
الفرق بين تحليل الخامة واختبار الهجرة
من أكثر المفاهيم التي يحدث فيها خلط هو الاعتقاد بأن تحليل المنتج لمعرفة إجمالي تركيز عنصر معين يكفي للحكم على صلاحيته لملامسة الغذاء.
لكن هناك فرق مهم بين:
Total Content
وهو مقدار العنصر الموجود داخل المادة أو المنتج ككل.
Migration / Release
وهو مقدار العنصر الذي يمكن أن ينتقل من المنتج إلى الغذاء أو إلى وسط محاكٍ للغذاء تحت ظروف اختبار محددة.
وهذا الفرق مهم جدًا.
فقد تحتوي سبيكة معينة على عنصر بتركيز معلوم، لكن السؤال في تقييم ملامسة الغذاء يصبح:
كمية هذا العنصر التي يمكن أن تنطلق من سطح المنتج وتصل إلى الغذاء؟
ولهذا لا يصح استخدام نتيجة تحليل إجمالي للخامة وحدها للحكم على كل منتجات ملامسة الغذاء دون الرجوع إلى المواصفة وطريقة الاختبار المناسبة.
لماذا المواصفات القياسية مهمة؟
المواصفات القياسية تضع إطارًا فنيًا لتقييم سلامة المواد والأدوات التي تلامس الغذاء.
وهي تساعد على تحديد:
– المواد المسموح باستخدامها.
– متطلبات التصنيع.
– الحدود الخاصة بالعناصر أو المواد التي يمكن أن تنتقل.
– طرق الاختبار المناسبة.
– ظروف الاستخدام التي يجب أخذها في الاعتبار.
– متطلبات السلامة الخاصة بكل نوع من الخامات.
وفي مصر توجد مواصفات خاصة بالمواد والأدوات المخصصة لملامسة الأغذية، كما توجد مواصفات متخصصة بحسب نوع المادة، مثل البلاستيك والسيراميك وبعض المنتجات المعدنية وغيرها.
ومن الأمثلة المواصفة المصرية 8383/2020 و 2060/2008 ، أيضاً قرارات هيئة سلامة الغذاء المنظمة لملامسات الغذاء مثل قرار 17/2021 الخاصة بالمواد والأدوات المخصصة لملامسة الأغذية، إلى جانب مواصفات متخصصة لبعض الخامات والمنتجات.
وهذا يؤكد أن عبارة:
“Food Grade”
ليست وحدها كافية لتقييم سلامة المنتج.
كيف أتأكد من أن المنتج مناسب لملامسة الغذاء؟
عند شراء منتج يستخدم مع الطعام أو الشراب، يمكن اتباع مجموعة من الخطوات البسيطة:
أولًا: معرفة نوع المادة
يجب أن تعرف هل المنتج مصنوع من:
– ستانلس ستيل.
– ألومنيوم.
– نحاس.
– سيراميك.
– زجاج.
– بلاستيك.
– مادة مطلية.
– سبيكة معدنية.
لأن متطلبات السلامة تختلف حسب نوع المادة.
ثانيًا: التأكد من الاستخدام المخصص
ليس كل منتج يصلح لكل الاستخدامات.
فقد يكون المنتج مناسبًا للطعام البارد، لكنه غير مناسب لدرجات الحرارة المرتفعة، أو قد يكون مناسبًا للتخزين لكنه غير مناسب للطهي.
لذلك يجب الالتزام بتعليمات الشركة المصنعة.
ثالثًا: البحث عن بيانات الشركة
يفضل شراء المنتجات التي تحمل بيانات واضحة عن:
الشركة المصنعة – بلد المنشأ – نوع المادة – الاستخدام – تعليمات الاستخدام.
والمنتج مجهول المصدر يمثل مخاطرة أكبر، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بملامسة الغذاء.
رابعًا: طلب مستند المطابقة
بالنسبة للمنتجات التجارية أو المنتجات المستخدمة على نطاق واسع، يمكن طلب:
Declaration of Compliance – DoC
أو تقرير اختبار يوضح مدى مطابقة المنتج لمتطلبات ملامسة الغذاء.
والأهم أن يكون المستند مرتبطًا بالمنتج والخامة والاستخدام الفعلي، وليس مجرد شهادة عامة لا توضح نطاق الاختبار.
خامسًا: اسأل عن المواصفة
بدلًا من سؤال البائع:
“هل المنتج Food Grade؟”
الأفضل أن تسأل:
“مطابق لأنهي مواصفة؟ وهل يوجد تقرير اختبار أو شهادة مطابقة؟”
هذا السؤال أكثر أهمية من مجرد العبارة التسويقية الموجودة على العبوة.
ماذا عن الأواني المعدنية؟
الأواني والأكواب والأدوات المعدنية تحتاج إلى اهتمام خاص، خصوصًا إذا كانت مصنوعة من سبائك أو تحتوي على طلاءات أو طبقات سطحية.
ويجب مراعاة:
نوع السبيكة + حالة السطح + نوع الغذاء + درجة الحرارة + زمن التلامس.
وفي بعض الحالات يكون من المهم إجراء اختبارات انطلاق للعناصر مثل:
Pb – Cd – As – Hg – Ni – Cr
بحسب نوع المادة والمواصفة المرجعية.
والاختبار الصحيح لا يتم باختيار العناصر بشكل عشوائي، وإنما بناءً على تركيب المنتج والمخاطر المتوقعة والمواصفة المطبقة.
ماذا عن السيراميك والأكواب والأطباق المزخرفة؟
هنا يجب الانتباه بصورة خاصة إلى المنتجات المطلية أو المزخرفة، لأن بعض الطلاءات والأصباغ قد تحتوي على عناصر تستوجب التقييم.
ومن أهم الاختبارات المعروفة في هذا المجال:
اختبار انطلاق الرصاص والكادميوم.
ويتم تقييم النتيجة وفق المواصفة وطريقة الاختبار المناسبة للمنتج.
ولهذا فإن الطبق المزخرف أو الكوب الملون لا يجب تقييمه بمجرد النظر إلى شكله أو لمعانه.
كيف يتم الكشف عن العناصر في المعمل؟
بعد تحديد المواصفة وطريقة الاختبار، يمكن استخدام تقنيات التحليل العنصري الحديثة مثل:
ICP-OES
أو
ICP-MS
بحسب طبيعة الاختبار ومستوى التركيز المطلوب ودقة القياس المطلوبة.
لكن الجهاز وحده لا يحدد سلامة المنتج.
الأهم هو:
طريقة التحضير والاستخلاص + الوسط المستخدم + ظروف الاختبار + طريقة القياس + الجودة التحليلية + الحد المسموح في المواصفة.
وهنا تظهر أهمية تطبيق طريقة اختبار معتمدة وقابلة للتتبع.
رسالة إلى المستهلك
ليس مطلوبًا من المستهلك أن يكون متخصصًا في الكيمياء التحليلية.
لكن هناك قاعدة بسيطة:
لا تختار المنتج الذي يبدو أفضل فقط، بل اختر المنتج الذي تعرف خامته ومصدره واستخدامه وتتوفر له دلائل على مطابقته لملامسة الغذاء.
والمنتج الآمن ليس بالضرورة المنتج الذي “لا يحتوي على أي معدن”، وإنما المنتج الذي:
تركيبه مناسب + استخدامه مناسب + هجرته أو انطلاق مكوناته ضمن الحدود المسموح بها + مطابق للمواصفات ذات الصلة.
الخلاصة
سلامة الغذاء تبدأ قبل وصول الطعام إلى المائدة.
فالعبوة والطبق والكوب وأدوات الطهي كلها تدخل ضمن منظومة سلامة الغذاء، وأي مادة غير مناسبة أو غير مطابقة قد تصبح مصدرًا محتملًا للتعرض لمواد كيميائية غير مرغوبة.
لذلك فإن الالتزام بالمواصفات القياسية وإجراء اختبارات الهجرة والانطلاق للعناصر عند الحاجة ليس مجرد إجراء روتيني، بل هو خط دفاع أساسي لحماية صحة المستهلك وتقليل التعرض المزمن للملوثات الكيميائية.
وفي النهاية، يجب أن نتذكر:
ليس كل ما يلامس الغذاء آمنًا لمجرد أنه يبدو آمنًا.. والدليل الحقيقي يبدأ من المواصفة وينتهي بالاختبار.



