العنف الأسري.. عندما يتحول المنزل إلى مسرح للجريمة
بقلم المحامية: هاجر محمد حسني
الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، فإذا انهارت قيم الرحمة والاحترام داخلها، انعكس ذلك على المجتمع بأسره.
ولعل أخطر ما يهدد الأسرة اليوم هو العنف الأسري، ذلك العنف الذي يبدأ غالبًا بكلمة مهينة، ثم يتطور إلى إهانة وتهديد، ثم إلى اعتداء جسدي أو نفسي أو اقتصادي أو جنسي، وقد ينتهي بجريمة تُنظر أمام ساحات القضاء.
والمؤسف أن بعض الممارسات لا تزال تُبرر تحت شعار: “دي مشاكل بيوت“، بينما الحقيقة أن القانون المصري لا يعترف بهذا التبرير، فكل اعتداء على النفس أو الجسد أو الكرامة يظل جريمة، مهما كانت صلة الجاني بالمجني عليه.
الرحمة هي الأصل في العلاقة الأسرية
والإسلام، قبل القانون، وضع أسس العلاقة الأسرية على الرحمة والإحسان، فقال تعالى:
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]
وقال سبحانه:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]
كما قال رسول الله ﷺ:
«خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»
وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها:
«ما ضرب رسول الله ﷺ امرأةً ولا خادمًا بيده قط».
وتؤكد هذه النصوص أن الرحمة هي الأصل في العلاقة الأسرية، وأن العنف ليس منهجًا شرعيًا لإدارة الأسرة.
العنف الأسري ليس ضربًا فقط
ولا يقتصر العنف الأسري على الضرب، بل يشمل صورًا متعددة، منها العنف الجسدي المتمثل في الاعتداء بالضرب أو إحداث الإصابات، والعنف النفسي كالسب والإهانة والتهديد والعزل والتحقير.
ويشمل أيضًا العنف الاقتصادي، مثل حرمان الزوجة أو الأبناء من النفقة أو الاستيلاء على أموالهم، وكذلك العنف الجنسي بكل صوره التي تمثل اعتداءً على حرمة الجسد.
ويمتد الأمر كذلك إلى العنف ضد الأطفال وكبار السن، سواء من خلال الإهمال أو الإيذاء أو الاستغلال، وهي ممارسات تهدم الأسرة قبل أن تهدم الضحية.
ختان الإناث.. من العادة إلى الجريمة
ومن أخطر صور العنف أيضًا ختان الإناث، الذي لم يعد يُنظر إليه باعتباره عادة اجتماعية، بل أصبح جريمة يعاقب عليها القانون.
فقد نصت المادة 242 مكررًا من قانون العقوبات، بعد تعديلها بالقانون رقم 10 لسنة 2021، على معاقبة كل من يجري ختانًا لأنثى بالسجن، مع تشديد العقوبة إذا ترتب على الفعل عاهة مستديمة أو وفاة.
كما شدد القانون العقوبة إذا كان مرتكب الجريمة طبيبًا أو من مزاولي مهنة التمريض، ونصت المادة 242 مكررًا/أ على معاقبة من طلب ختان أنثى أو روج أو شجع على ارتكابه.
القانون المصري يجرّم الاعتداء على سلامة الجسد
أما جرائم الضرب وإحداث الإصابات، فقد نظمها قانون العقوبات في المواد 240 و241 و242، والتي تجرم الاعتداء على سلامة الجسد، وتغلظ العقوبة إذا نشأ عن الفعل عاهة مستديمة أو أفضى إلى الوفاة.
كما أن أفعال التهديد والسب والقذف والاعتداءات الجنسية والامتناع عن تنفيذ الالتزامات القانونية، ومنها النفقات في الأحوال التي يقررها القانون، تخضع للمساءلة الجنائية أو المدنية بحسب طبيعة كل واقعة.
هل يوجد قانون مستقل للعنف الأسري؟
ورغم عدم وجود جريمة مستقلة في قانون العقوبات تحمل اسم “العنف الأسري”، فإن ذلك لا يعني وجود فراغ تشريعي.
إذ تُكيف كل واقعة وفقًا لوصفها القانوني، بما يضمن حماية الضحية ومحاسبة المعتدي، بحسب طبيعة الفعل والنتائج المترتبة عليه والظروف المحيطة بالواقعة.
وهنا يجب التأكيد على أن صلة القرابة أو العلاقة الزوجية لا تمنح أحدًا حق الاعتداء على الآخر أو إهدار كرامته وسلامته.
الصمت عن العنف قد يصنع جريمة أكبر
إن المجتمع الذي يصمت على العنف داخل المنازل، لا ينبغي أن يندهش إذا وجد العنف ينتقل إلى الشوارع والمدارس وأماكن العمل.
فالعنف لا يولد فجأة، بل ينشأ في بيت سُمح فيه بالإهانة، وسكت فيه الجميع عن الجريمة.
وقد تبدأ القصة بكلمة جارحة يعتقد البعض أنها بسيطة، ثم تتحول إلى تهديد، ثم إلى اعتداء، ومع استمرار الصمت تتصاعد الأمور حتى تصل إلى نتائج لا يمكن تداركها.
حماية الأسرة تبدأ بحماية أفرادها
إن حماية الأسرة لا تكون بإخفاء الانتهاكات، وإنما بتطبيق القانون، ونشر الوعي، وترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل.
فالأسرة التي تقوم على الرحمة تصنع مجتمعًا آمنًا، أما الأسرة التي يحكمها العنف فلا تخرج إلا ضحايا أو جناة.
ومن ثم، فإن مواجهة العنف الأسري ليست دفاعًا عن فرد بعينه، بل هي دفاع عن المجتمع كله، وعن حق كل إنسان في أن يعيش داخل منزله آمنًا، مصون الكرامة.
فالمنزل يجب أن يكون مكانًا للأمان لا للخوف، وللمودة لا للإهانة، وللرحمة لا للعنف.



