زوجةُ الغياب The Wife of Absence - النايل نيوز
الثلاثاء, يوليو 21, 2026
الرئيسيةثقافةزوجةُ الغياب The Wife of Absence
ثقافة

زوجةُ الغياب The Wife of Absence

 

بقلم الأديب المصري : د. طارق رضوان جمعة

 

ليس كلُّ غيابٍ يُسمَّى موتًا؛

فمنه غيابٌ تشقُّه السفنُ إلى أرزاقها،

ومنه غيابٌ تطويه المقابرُ إلى صمتها.

 

الأولُ يتركُ بابًا مواربًا للرجوع،

والثاني يتركُ نافذةً مفتوحةً للدعاء.

 

إحداهما تنتظرُ خُطًى على العتبة،

والأخرى تحفظُ اسمًا على شاهدِ حجر.

 

ومع ذلك…

كلتاهما تبنيانِ الحياةَ من شظايا الصبر،

وتزرعانِ في قلبِ البيتِ شجرةً لا تسقطُ أوراقُها،

كي يبقى الوطنُ دافئًا،

ولو طالَ الشتاء.

 

Not every absence is called death;

Some journeys promise home again,

While others bloom only in memory’s rain.

 

أنا التي تسكنُ البيتَ بالمقلوب.

 

أخبزُ القمرَ رغيفًا للجياعِ إلى وجهِكَ،

وأعجنُ الفجرَ من رائحةِ قميصِكَ،

وأروي أصصَ الشرفةِ

بما يتسرَّبُ من عينيَّ كلَّ مساء.

 

أعلِّقُ مفاتيحَكَ

على معصمِ الوقت،

فإذا أبطأ المساءُ،

فتحَ البابُ نفسَه،

ودخلتَ…

 

ثم أكتشفُ

أن الريحَ

كانتْ تتدرَّبُ على تقليدِ خُطاك.

 

I bake the moon into daily bread,

And knead the dawn with your scent instead;

Even the wind rehearses your tread.

 

أرتِّبُ الوسادةَ الثانيةَ

كلَّ ليلة،

كي لا تشعرَ الوحدةُ

أنها انتصرت.

 

وأتركُ مقعدَكَ

يأكلُ معي،

وأصبُّ لكَ فنجانًا من القهوة،

فتنهضُ رائحتُه،

وتجلسُ مكانَكَ.

 

أكتبُ إليكَ

على بخارِ النافذة،

فتقرأُ الغيومُ رسائلي،

وتحملُها

إلى المدينةِ التي استعارتْكَ من عمري.

 

Your empty chair still shares my bread;

Your cup breathes warmth where words have fled.

The clouds deliver what I never said.

 

وحينَ يرنُّ الهاتف…

 

يقولُ صوتُكَ:

 

«نامي…»

 

فأبتسم.

 

وأهمسُ للفراغ:

 

وكيف ينامُ بيتٌ

تركَ قلبَهُ

في بلادٍ بعيدة؟

 

أعدُّ السنواتِ

كما يعدُّ الأطفالُ النجوم،

وكلما انتهيتُ من العدِّ،

زادَ الليلُ نجمةً أخرى.

 

I count the years through silent rain;

Each falling drop repeats your name.

The sky invents another star, again.

 

أحوِّلُ الانتظارَ

إلى نافذةٍ لا تُغلَق،

 

وأحوِّلُ الحنينَ

إلى طائرٍ

يحفظُ طريقَ عودتِكَ.

 

وأعلِّمُ الجدرانَ

أن تبتسمَ

كلما رنَّ هاتفُكَ،

 

كي لا ينسى البيتُ

أن الفرحَ

ما زال يعرفُ عنوانَه.

 

أنا التي تسكنُ البيتَ بالمقلوب…

 

ومع ذلك،

يبقى كلُّ شيءٍ مستقيمًا؛

 

لأنَّ اسمَكَ

هو الجاذبيةُ الوحيدةُ

التي تمنعُ قلبي

من السقوط.

 

Hope keeps the windows open wide;

Love is the gravity inside.

Your name is where my worlds abide.

 

لا أكنسُ الأرضَ…

 

بل أمسحُ عن الأيامِ غبارَ الغياب.

 

ولا أطبخُ الطعام…

 

بل أُبقي الوطنَ دافئًا

حتى تعود.

 

أنا زوجةُ رجلٍ

هاجرَ ليبني لنا عمرًا،

 

فبقيتُ هنا

أبني له بيتًا من الصبر،

 

وأرفعُ من الدعاءِ

سلَّمًا من نور،

 

لعلَّ اللهَ

يُنزِلُ عليه

خطوةً واحدةً…

 

فتكونُ هي العودة.

 

Come home before the seasons fade;

Come home to every vow we made.

For love has kept our house awake,

Awaiting but one step to break

The silence… and bring you home.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *