لا البحر أغرقني ولا الأحباب أنقذوني.. تأمل إنساني في الغرق الصامت الذي لا يراه احد
الأحد, أغسطس 2, 2026
الرئيسيةمقالاتلا البحر أغرقني.. ولا الأحباب أنقذوني..The Sea Never Drowned Me… Nor Could Love Save Me
مقالات

لا البحر أغرقني.. ولا الأحباب أنقذوني..The Sea Never Drowned Me… Nor Could Love Save Me

لا البحر أغرقني… ولا الأحباب أنقذوني

The Sea Never Drowned Me… Nor Could Love Save Me

 

بقلم الأديب المصري

د. طارق رضوان جمعة

 

ثمة محيطٌ لا يظهر على خرائط الجغرافيا، لكنه يسكن خرائط البشر جميعًا.

لا اسم له في كتب البحارة.

أما أنا… فقد سميته المحيط رقم صفر.

هناك أقف…

لا على اليابسة، فأمضي.

ولا تحت الماء، فأغيب.

بل في المنتصف…

والماء يلامس عنقي كساعةٍ رمليةٍ توقفت حباتها قبل السقوط الأخير.

ومنذ زمنٍ لا أعرفه، اكتشفت أن البحر قد يعجز عن الغرق، كما قد يعجز الحب عن الإنقاذ.

فلا البحر أغرقني…
ولا الأحباب أنقذوني.

قالوا إن أخطر الأمواج هي الأعلى.

لكنهم لم يخبروني أن أخطرها تلك التي تتردد.

تأتي نحوي كأنها عقدت العزم على ابتلاعي، ثم تتراجع في اللحظة الأخيرة، وكأنها تخشى أن تنهي حكايتي.

حتى الريح…

تمر بجانبي حاملةً رائحة اليابسة، ثم ترحل، تاركةً الأمل معلقًا على كتفي كمعطفٍ لا يدفئ أحدًا.

The sea denied my final breath,
And love stood still, afraid of death.

أنظر إلى الشاطئ…

أراه واضحًا كذكرى لا تشيخ.

أرى الوجوه التي أحببتها.

أرى الأيدي التي طالما أمسكت بيدي.

لكنني أكتشف أن أقصر المسافات في الدنيا قد تصبح أطولها، إذا وقف العجز بينها.

إنهم يحبونني…

وأنا أعلم ذلك.

لكن الحب ليس زورقًا.

وليس كل قلبٍ قادرًا على أن يعبر البحر.

ثم اكتشفت أنني لست وحدي في هذا المحيط.

هناك أبٌ يقف غير بعيدٍ عني…

كان يحلم أن يرى ابنه شجرةً وارفة، فإذا به يراه ورقةً تتقاذفها الرياح.

يمد قلبه إليه كل ليلة، لكن قلب الأب لا يتحول إلى جسر.

وهناك أمٌّ تحفظ أسماء الأدوية أكثر مما تحفظ أسماء الأغاني، وتدعو حتى تتعب الكلمات، ثم تعود إلى بيتها وهي تحمل المرض معها، لأنه رفض أن يترك صغيرها.

وهناك موظفٌ أفنى عمره بين الملفات، يظن أن الترقية تقترب منه عامًا بعد عام، حتى اكتشف أن السنوات وحدها هي التي اقتربت، أما الحلم فما زال واقفًا على الشاطئ يلوح له من بعيد.

وهناك شابٌّ يحمل شهاداته كما يحمل الغريق رسالةً في زجاجة، يلقيها كل يوم في بحر الحياة، فلا يرد عليه سوى الصدى.

وهناك فتاةٌ كانت تؤجل أحلامها حتى تستقيم الظروف، فإذا بالظروف تؤجل عمرها.

وهناك زوجان يحبان بعضهما بصدق، لكن الفقر يقف بينهما مترجمًا لا يعرف إلا لغة الصمت.

وهناك سجينٌ انتهت عقوبته في قلبه، بينما بقيت الأيام خارج القضبان أبطأ من أن تصل إليه.

وهناك مريضٌ يحصي نتائج التحاليل أكثر مما يحصي أيام عمره، ويبتسم حتى لا يورث الخوف لمن يحب.

وهناك أرملةٌ تفتح الباب كل مساء بعادةٍ قديمة، ثم تتذكر أن الذي كانت تنتظره لن يعود.

كل هؤلاء…

لا يعرف بعضهم بعضًا.

لكنهم يقفون معي في المحيط نفسه.

We share one sea, though far apart,
The deepest waves are in the heart.

في هذا المحيط تعلمت أن الانتظار أيضًا سائل.

يدخل الرئتين ببطء.

ولا يترك أثرًا على الملابس.

لكنه يثقل الروح حتى تصبح أثقل من الصخور.

وتعلمت أن هناك أناسًا لا تنقصهم القوة…

بل تنقصهم نافذة.

ولا ينقصهم الحب…

بل الطريق إليه.

في الليل…

تنزل النجوم إلى سطح الماء، كأن السماء جاءت لتطمئن علينا.

لكنها لا تمد يدًا.

القمر يبتسم.

والبحر يصمت.

والوقت وحده يواصل المشي فوق صدورنا.

أحيانًا يحط نورسٌ على كتفي.

ينظر إليَّ طويلًا.

ثم يرحل.

كأنه جاء ليتأكد أنني ما زلت أنتظر.

فالانتظار هنا ليس مرحلة…

بل عنوان إقامة.

وأدركت أخيرًا…

أن الناس يظنون الغرق لحظةً تنتهي فيها الحياة.

أما الحقيقة…

فقد يكون الغرق عمرًا كاملًا لا ينتهي.

أن ترى أحلامك أمامك ولا تبلغها.

أن ترى من يحبونك…

ولا يستطيعون أن يغيِّروا عنك شيئًا.

أن تبقى واقفًا في منتصف الطريق…

فلا تصل…

ولا تعود.

لذلك…

إذا رأيت يومًا رجلًا يبتسم أكثر مما ينبغي…

فلا تسأله عن سر ابتسامته.

وربما…

لا تسأل أحدًا أصلًا.

فقد يكون كل واحدٍ منا يخفي تحت ثيابه محيطًا لا يراه أحد.

أما أنا…

فسأظل واقفًا هنا…

لا أنتظر موجةً تغرقني…

ولا يدًا تنتشلني…

بل أنتظر شيئًا واحدًا فقط…

أن يمرَّ أحدكم من هنا…

ثم ينظر إلى الماء طويلًا…

ويتساءل في صمت:

ترى…

هل أنا أيضًا أقف في هذا المحيط؟

أم أنني كنت أقف فيه منذ سنوات… ولم أنتبه؟

And if your silence sounds like mine,
Perhaps we’ve crossed the selfsame tide.

If you have found yourself in these waters…
Then perhaps we were never strangers.

فربما…

لم يكن هذا المقال عن البحر قط.

وربما… لم يكن عني أيضًا.

 





اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *