«NAZA».. الفيلم الإسرائيلي الذي فجّر عاصفة سياسية حول حرب غزة
متابعة: الكاتب والمؤرخ العسكري د. أحمد علي عطية الله
لم يكن عرض الفيلم الوثائقي الإسرائيلي «NAZA» في مهرجان البندقية السينمائي مجرد محطة فنية عابرة،
إذ تحول الفيلم سريعًا إلى قضية سياسية وإعلامية داخل إسرائيل،
بعدما قدم شهادات من مصادر عسكرية واستخباراتية إسرائيلية حول آليات استهداف المدنيين في قطاع غزة خلال الحرب.
الفيلم، الذي أخرجه الصحفيان والمخرجان الإسرائيليان يوفال أبراهام وراشيل تسور، حصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في الدورة الثالثة والثمانين
من مهرجان البندقية، بعد عرضه العالمي الأول في المسابقة الرسمية.
ومنذ عرضه، انتقل الجدل من قاعات السينما إلى الساحة السياسية الإسرائيلية،
وصولًا إلى تهديدات بإجراءات قانونية وتشريعية ضد صناع الفيلم، في وقت حظي فيه العمل باهتمام دولي واسع.
فما قصة «NAZA»؟ ولماذا أثار كل هذا الجدل؟
فيلم يستند إلى شهادات من داخل المؤسسة العسكرية
اعتمد «NAZA» على مقابلات سرية مع 24 من الجنود وضباط الاستخبارات الإسرائيليين، ممن شاركوا أو عملوا داخل منظومة العمليات العسكرية،
وتناول من خلالها الطريقة التي يتم بها اختيار الأهداف والقرارات المرتبطة بالضربات الجوية في غزة.
وبحسب مواد الفيلم والشهادات التي يقدمها، يناقش العمل فرضية أن أعدادًا متوقعة من الضحايا المدنيين
كانت تدخل ضمن حسابات اتخاذ القرار العسكري، وهي النقطة التي تمثل محور التحقيق الوثائقي.
وتعرض هذه الشهادات روايات خطيرة حول استخدام أنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والبيانات في تحديد الأهداف،
إلى جانب تقديرات مسبقة لعدد الضحايا المدنيين المحتمل سقوطهم جراء بعض الضربات.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الروايات والادعاءات هي جزء من مضمون الفيلم وشهادات مصادره،
وليست حكمًا قضائيًا مستقلًا بشأن المسؤولية الجنائية للأفراد أو المؤسسة العسكرية.
لماذا حمل الفيلم اسم «NAZA»؟
اسم الفيلم مرتبط بمصطلح عسكري إسرائيلي يُستخدم، بحسب المصادر التي تناولت الفيلم،
للإشارة إلى الأضرار الجانبية المتوقعة، وبالأخص تقدير عدد المدنيين الذين قد يسقطون في غارة جوية.
وتشير مواد تعريفية بالفيلم إلى أن المصطلح يمثل جزءًا من اللغة المستخدمة داخل منظومة الاستهداف،
ولذلك اختار المخرجان الاسم عنوانًا للعمل الذي يبحث في الجانب غير المرئي من قرارات الضربات العسكرية.
25 دقيقة من التصفيق في البندقية
عقب العرض العالمي الأول للفيلم في مهرجان البندقية، تلقى المخرجان يوفال أبراهام وراشيل تسور تصفيقًا حارًا استمر نحو 24 دقيقة ونصف،
وفق تقارير عن العرض، في واحدة من أطول فترات التصفيق التي شهدها المهرجان.
وكان الفيلم قد دخل المسابقة الرسمية للمهرجان باعتباره العمل الوثائقي الوحيد ضمن مسابقة ذلك العام، قبل أن يحصل لاحقًا على جائزة لجنة التحكيم الخاصة.
من قاعة السينما إلى قلب العاصفة السياسية
بعد نجاح الفيلم في البندقية، تصاعدت الانتقادات داخل إسرائيل، خصوصًا من مسؤولين سياسيين.
ودخل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على خط الأزمة،
معلنًا عزمه طرح تشريع يسمح بسحب الجنسية في حالات مرتبطة بتشويه سمعة إسرائيل أو جيشها، في خطوة جاءت وسط الجدل الذي أثاره الفيلم.
كما تعرض المخرجان لهجوم سياسي وإعلامي، بينما صدرت دعوات من مسؤولين إسرائيليين لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة بحقهما.
وتناول تقرير لرويترز إعلان نتنياهو عن مشروعين قانونيين في هذا السياق، أحدهما يتعلق بسحب الجنسية والآخر بتشديد العقوبات المالية في قضايا التشهير.
وبذلك لم يعد «NAZA» مجرد فيلم يناقش الحرب، بل أصبح جزءًا من نقاش أوسع داخل إسرائيل حول حرية التعبير،
وحدود النقد الموجه إلى المؤسسة العسكرية، وكيفية التعامل مع شهادات من داخلها.
دعم دولي لصناع الفيلم
في المقابل، حظي المخرجان بدعم من جهات سينمائية وإعلامية وحقوقية، فيما دافعت صحيفة «الغارديان»، إحدى الجهات المنتجة للفيلم، عن العمل وصانعيه،
مؤكدة أن الفيلم جاء نتيجة سنوات من التحقيق الصحفي وشهادات من مصادر سرية.
كما أفادت تقارير بوجود دعم واسع من سينمائيين إسرائيليين ودوليين لصانعي الفيلم، في مواجهة حملات الانتقاد والتهديد التي أعقبت عرضه.
فيلم فني أم وثيقة من داخل الحرب؟
تكمن أهمية «NAZA» في أنه لا يقدم الحرب من زاوية الضحايا وحدهم، وإنما يحاول الدخول إلى الجانب الآخر من المشهد،
من خلال شهادات أشخاص عملوا داخل المنظومة التي اتخذت أو شاركت في قرارات الاستهداف.
ويعتمد الفيلم في بنائه البصري على تصوير ليلي من أسطح مدينة تل أبيب، مع الحفاظ على سرية هوية بعض المشاركين في الشهادات،
وهو أسلوب اختاره صناع العمل لحماية مصادرهم وإبراز التناقض بين الحياة اليومية الطبيعية داخل إسرائيل وما يعرضه الفيلم من شهادات حول الحرب في غزة.
كما أن جزءًا من التحقيق الذي يستند إليه الفيلم سبق نشره في تحقيقات صحفية لصحيفة «الغارديان» ومجلة +972 وموقع Local Call، قبل أن يتحول إلى عمل وثائقي سينمائي.
«NAZA».. عندما تنتقل الحرب إلى شاشة السينما
ربما كان أكثر ما أثار الجدل حول الفيلم أنه خرج من داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، وبأصوات إسرائيلية تتحدث عن الحرب من موقع المشاركة أو المعرفة المباشرة.
ولهذا فإن الجدل حول «NAZA» لا يتعلق فقط بمحتواه الفني، وإنما يمتد إلى أسئلة أكبر حول المسؤولية، وحرية الصحافة،
وشهادة المشاركين في الحروب، والحدود الفاصلة بين النقد السياسي والعسكري وبين الاتهام الجنائي.
وفي الوقت الذي يرى فيه صناع الفيلم أنه محاولة لكشف ما يعتبرونه أنظمة وآليات أدت إلى سقوط أعداد كبيرة من المدنيين في غزة،
يرفض مسؤولون إسرائيليون ما يقدمه الفيلم ويعتبرونه مسيئًا للجيش الإسرائيلي.
وبين الرواية الرسمية، وشهادات المشاركين، والتحقيقات الصحفية، يبقى الفيلم وثيقة سينمائية أثارت نقاشًا واسعًا يتجاوز حدود مهرجان البندقية.
فـ«NAZA» لم يكتفِ بعرض صورة للحرب، بل نقل جزءًا من الجدل حولها إلى قلب المجتمع الذي خرج منه الفيلم نفسه.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
أن أكثر الأفلام إثارة للجدل حول الحرب في غزة خلال هذه الفترة، جاء من داخل إسرائيل، وبأصوات إسرائيلية، وعُرض على واحدة من أهم المنصات السينمائية في العالم.

