الأرملة واليتيمThe Widow and the Orphan
الجمعة, يوليو 31, 2026
الرئيسيةمقالاتالأرملة واليتيم The Widow and the Orphan
مقالات

الأرملة واليتيم The Widow and the Orphan

الأرملة واليتيم

The Widow and the Orphan

بقلم: الأديب المصري
د. طارق رضوان جمعة

 

كلما مررت بمدينةٍ جديدة أسأل نفسي: أين نسكن فى البيت والجدران، أم أننا تسكن بداخل الذين يتعبون حتى لا تسقط الجدران؟

ثم… ينهض بيتي من قاع الذاكرة، ويجلس أمامي. على هيئة رجلٍ أنهكه العمل، وامرأةٍ أتعبها الحب، وطفلٍ يظن أن العالم يبدأ من حضن أمه وينتهي عند كتف أبيه.

في إحدى الليالي مال البيت.
حين رأيت أبي يذوب ببطء، حتى صار ظهره جسرًا نعبر عليه نحو الغد.

ورأيت أمي ترفع السقف بكلتا يديها، وتهمس للجدران:

“اهدئي… الأطفال نائمون.”

فالبيوت لا تنهار حين تتشقق الحوائط، بل حين يتعب القلب الذي يحملها.

كانت أمي امرأةً لا تعرف القراءة، لكنها كانت تقرأ الوجوه كما يقرأ العارفون الكتب المقدسة.

كانت ترى ما بنا من جوع وحزن وانكسار قبل أن نعترف به.

كان أبي يعود آخر النهار محمَّلًا بصمتٍ أثقل من الخبز، فتجلس جواره دون سؤال.

كانت تعرف أن بعض الرجال لا يحتاجون إلى الكلام… بل إلى مكانٍ يسقطون فيه دون أن ينكسروا.

وبعد دقائق…

كان صوته يعود إليه، كأنها أعادت قلبه إلى صدره.

ولم أفهم سرها إلا بعد سنوات.

لقد كانت تعرف أن الإنسان لا يموت من التعب… بل من شعوره أنه يتعب وحده.

كان بيتنا فقيرًا… لكن الفقر كان يخجل من المكوث به.

لم يكن فيه ثريات، ولا أثاثٌ فاخر. كان فيه شيءٌ أغلى…الرضا.

وكانت الريح كلما حاولت اقتلاع البيت، سبقتها دعوةٌ خرجت من فم أمي، فتعود الريح معتذرة.

وكان راتب أبي يصل آخر الشهر ناقصًا.

فتكمله أمي دون أن تضيف جنيهًا واحدًا.

كانت تكمله بطبقٍ ساخن…

وبضحكة…

وبحكايةٍ قبل النوم…

وبيدٍ تمسح الخوف عن جباهنا.

وحين كنت أخطئ، لم تكن توبخني.

كانت تلتقط كلمتي من الهواء، تنظفها من الغضب، ثم تعيدها إلى فمي وتقول:

“قلها مرةً أخرى…

ولكن وأنت أكبر.”

كنت أظنها تُعلمني الكلام…

ثم اكتشفت أنها كانت تُعلمني الحياة.

أما أبي…

فلم يكن كثير الكلام.

كان يشبه الأشجار العتيقة؛ لا تتحدث كثيرًا، لكنها تمنح العابرين ظلها كله.

كان يخرج مع الفجر، وكأن الشمس لا تجرؤ على الشروق قبله، ويعود مع الليل متكئًا على تعبٍ لا يراه أحد.

لم يكن يحمل المال وحده…

كان يحمل عنا أصوات السوق، وحرارة الطرقات، وخيبة الأيام، حتى ننام نحن بأحلامٍ نظيفة.

ولم أفهم إلا بعد رحيله أن الأب لا يعود إلى بيته كل مساء…

بل يعود وقد ترك جزءًا من عمره خارج الباب.

أتذكر يده فوق رأسي.

كانت مجرد يد…

لكنها كانت تؤجل سقوط العالم.

وأتذكر ضحكته مع أمي في آخر الليل، كأنها اتفاقًا سريًا بين قلبين على أن يُخفيا الحرب عن الأطفال.

ولم يترك لنا وصيةً مكتوبة، بل ترك قلمًا لم نطلبه، وحذاءً أكبر من مقاس أقدامنا، لأنه كان يعرف أن الغد أطول منا.

وترك دراجةً قديمةً معلقةً على الحائط…تُرى هل كانت تنتظرني؟
أم كانت تنتظره؟

ثم جاء اليوم الذي نسي فيه الزمن اسمه. حين خرج أبي من الباب مرةً واحدة، ونسي الطريق إلى جسده.

ومنذ ذلك اليوم، صار البيت يتحدث بصوتٍ واحد.

صوت أمي.

كانت تمشي في الممرات، فأسمع الجدران تتنفس. حين كان الليل يقترب من نافذتنا، يجلس بجوارها كطفلٍ يتيم.

كنت أراها تُخيط الفراغ بالإبرة.

تخيط الصمت، الخوف و أعمارنا التي تمزقت يوم غاب الرجل الذي كان يقف بيننا وبين ريح الزمن.

ثم حدث أن اشتقنا إلى أبي… فوجدنا البيت يكبر، وكلما بكينا…
يزداد سقفه ارتفاعًا. كأن الحنين مادةٌ تُزيد الغربة والرهبة

وذهبت أبحث عنه تحت الحجارة، أقلبها كما يقلب الأعمى وجوه الناس.

ولما لم أجده…

بدأت أبحث عنه في التفاصيل.

في القلم…

في الحذاء…

في المعطف…

وفي رائحة الخشب التي تركتها يداه على مقبض الباب.

ثم اكتشفت أن الإنسان لا يرحل إلى المقابر. بل يهاجر ليسكن التفاصيل.

فالكرسي ينتظره. والنافذة تراقب الطريق. وكوب الشاي يبرد كل مساءٍ احترامًا لغيابه.

حتى الساعة المعلقة على الحائط… كنت أشعر أنها تؤخر الزمن قليلًا… لعل أبي يصل.

A widow stitched the sky with silent thread,
An orphan learned where unseen angels tread.

وأدركت أن الإنسان لا حين يتوقف قلبه… لكن حين لا يعود أحدٌ يذكر صوته؟

وأنا… لا أعرف من كتب هذا النص.

ليس أبي…

وليس أمي…

بل ذلك البيت الذي ما زال واقفًا بسقف مائل، يخشى أن ينام، فيسقط .

أحيانًا أسأل الحروف:

من أبوكم؟

فتشير كلها إلى يدٍ خشنةٍ كانت تعود آخر النهار، تحمل رائحة الحديد والتراب والعرق.

وأحيانًا أسأل الصمت:

من أمُّك؟

فيبتسم، ويجلس عند قدمي امرأةٍ كانت تُخيط الفجر بخيطٍ من الدعاء.

ثم أفهم…

أن الكلمات لا تُولد من الحبر.

إنها تُولد من الندوب.

كل نصٍ جميل…

هو جرحٌ تعلَّم كيف يبتسم.

بعد رحيل أبي، لم أعد أراه في المنام.

بل صرت أراه في نفسي.

كلما سامحتُ أحدًا…

كان أبي.

وكلما احتملتُ وجعًا دون شكوى…

كانت أمي.

وأدركت أن الموت لا يأخذ الإنسان كله.

يترك منه نسخةً خفية، تسكن أبناءه.

نسخةً لا تُرى…

لذلك…

لم تعد الأرملة عندي امرأةً فقدت زوجها.

بل شجرةً قرر القدر أن يقتلع نصف جذورها، ثم طلب منها أن تظل تُثمر.

ولم يعد اليتيم طفلًا فقد أباه.

بل سؤالًا مفتوحًا، يبحث عن جوابٍ في وجه كل رجلٍ صالح.

يقول علماء النفس إن الطفل يحمل صورة أبيه في أعماق لاوعيه.

أما أنا…

فأقول إن الأب لا يسكن اللاوعي.

بل يسكن الضمير.

هناك…

حيث لا تصل المرايا.

وحيث لا يسمع الإنسان إلا صوته الحقيقي.

ومن هنا فهمت سرَّ الأرامل.

إنهن لا يُربين أبناءهن وحدهن.

إنهن يُكملن الرسالة التي بدأها رجلٌ رحل قبل أن ينتهي الدرس.

The empty chair still keeps a father’s flame,
Love outlives death, though no one speaks his name.

وأترك للقارئ هذا الصمت…

حيث المشاعر لا تُقرأ…

بل تُعاش.

إلى كل أرملة…

أنتِ الذاكرة التي تمنع الموت من الانتصار.

وإلى كل يتيم…

إذا اشتقت إلى أبيك، فلا تنظر إلى السماء كثيرًا.

انظر إلى قلبك.

فإن وجدته يميل إلى الخير، ويخجل من الظلم، ويحنو على الضعفاء…

فاعلم أن أباك ما زال يمشي داخلك.

أما أنا…

فكلما انطفأ الضوء، أغمضت عيني.

فأسمع همسها:

“هتعدي…”

ثم أسمع أنفاسه:

“أنا جنبك.”

فأبتسم.

وأدرك أن البيوت لا تسقط حين يموت الآباء…

ولا حين تترمل الأمهات…

إنما تسقط حين يموت الحب.

أما البيت الذي بناه رجلٌ بتعبه، وحفظته امرأةٌ بصبرها…

فلا تهدمه السنون.

لأنه لم يكن بيتًا من حجر…

بل كان قلبًا…

تعلَّم كيف يتخذ هيئة بيت.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *