الرئيسيةمقالاتتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية … ضغوط اقتصادية متصاعدة على مصر و المنطقة
مقالات

تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية … ضغوط اقتصادية متصاعدة على مصر و المنطقة

تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية … ضغوط اقتصادية متصاعدة على مصر و المنطقة

كتبت: شيرين الشافعي

في لحظة دولية بالغة التعقيد، لم تعد الحروب مجرد صراعات عسكرية تُقاس بنتائجها الميدانية، بل تحولت إلى أدوات لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي وموازين الطاقة. ومع تصاعد الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران ودخولها شهرها الثاني، تتكشف ملامح أزمة ممتدة تتجاوز حدود الإقليم، لتفرض واقعًا اقتصاديًا جديدًا يطال مصر ودول المنطقة، ويضع العالم أمام اختبار غير مسبوق لأمن الطاقة وسلاسل الإمداد.

 

في هذا السياق، ناقش برنامج “واجه الصحافة” على قناة النيل للأخبار أبعاد هذه الحرب وتداعياتها الاقتصادية، من خلال قراءة تحليلية قدمها نخبة من الخبراء، كشفت عن سيناريوهات معقدة قد تعيد صياغة المشهد العالمي خلال الأشهر المقبلة.

 

اضطراب غير مسبوق في أسواق الطاقة

أكد الدكتور محمد إبراهيم، الخبير الاقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد والإحصاء والتشريع السياسي، أن الحرب الحالية تمثل “دمارًا شاملاً” ليس فقط لإيران، بل لمنطقة الخليج بأكملها، خاصة مع استهداف منشآت النفط الحيوية.

وأوضح أن إعادة تشغيل حقول ومصافي البترول التي تعرضت للقصف قد تستغرق ما بين ستة أشهر إلى عام كامل، حتى في حال توقف العمليات العسكرية، ما يعني أن الأزمة مرشحة للاستمرار لفترة طويلة.

 

وأشار إلى أن إغلاق مضيق هرمز – الذي يمر عبره نحو 20% من إنتاج النفط العالمي – أحدث صدمة عنيفة للأسواق، خاصة مع تعطّل شحنات القمح والذرة، وهو ما انعكس بشكل مباشر على أوروبا التي تواجه تحديات قاسية في ظل الشتاء القارس واعتمادها على الطاقة في القطاع الزراعي.

وتوقع إبراهيم أن يصل سعر برميل النفط إلى 200 دولار إذا استمرت الحرب، بعد أن قفز بالفعل من 67 إلى 120 دولارًا، في مؤشر واضح على حجم الاضطراب.

 

الاحتياطيات الاستراتيجية… حلول مؤقتة لأزمة ممتدة

ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن الوكالة الدولية للطاقة وصفت ما يحدث بأنه “أكبر اضطراب في إمدادات الطاقة في تاريخ السوق العالمية”، مشيرًا إلى أن بعض الدول بدأت بالفعل في السحب من احتياطياتها الاستراتيجية، حيث أفرجت فرنسا عن 10% من مخزونها.

إلا أن هذه الإجراءات، بحسب إبراهيم، لن تصمد طويلًا، موضحًا أن الكميات التي تم ضخها – والتي تُقدّر بنحو 400 مليون برميل – تكفي العالم لمدة تتراوح بين 15 و20 يومًا فقط، ما ينذر بأزمة حقيقية فور نفاد هذه الاحتياطيات.

وأضاف أن “اللحظة الأخطر” ستبدأ بعد شهر من إغلاق مضيق هرمز، حين تدخل الأسواق في مرحلة نقص حاد وغير مسبوق في الإمدادات.

 

هروب الاستثمارات وتضخم تكاليف النقل

وكشف الدكتور محمد إبراهيم عن تداعيات اقتصادية خطيرة طالت دول الخليج، تمثلت في هروب استثمارات كبيرة من دول مثل الإمارات والكويت وسلطنة عمان، إلى جانب ارتفاع الدين الداخلي نتيجة زيادة الإنفاق العسكري.

كما أشار إلى تضاعف تكاليف الشحن والتأمين بشكل كبير، مع تراجع عدد السفن العاملة عالميًا من نحو ألف سفينة إلى 100 فقط، وهو ما أدى إلى اختناقات حادة في حركة التجارة العالمية.

 

ورغم هذه التداعيات، اعتبر إبراهيم أن الولايات المتحدة تعد المستفيد الأكبر اقتصاديًا من الأزمة، باعتبارها المنتج الأول عالميًا للنفط، في حين تتحمل بقية دول العالم فاتورة ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء والنقل، حيث تجاوزت فواتير الكهرباء المنزلية في أوروبا 100 يورو.

كما أشار إلى أهمية تشغيل خط “سوميد” المصري، الذي ينقل نحو 2.5 مليون برميل يوميًا، باعتباره أحد المسارات البديلة الحيوية في ظل تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز.

فجوة إمدادات عالمية تهدد الأسواق

 

من جانبه، حذر الدكتور محمد نبيل الألفي، الكاتب الصحفي والحاصل على دكتوراه في الإعلام من جامعة القاهرة، من أن العالم يواجه أزمة طاقة ممتدة قد تستمر لسنوات، في ظل اضطرابات غير مسبوقة بأسواق النفط والغاز.

 

وأوضح أن توقف منشآت الإنتاج وتكدس الناقلات سيؤديان إلى فجوة ضخمة في الإمدادات العالمية تُقدّر بنحو 9 ملايين برميل يوميًا بحلول الأشهر المقبلة، مؤكدًا أن السوق العالمية “أكثر هشاشة” مما تبدو عليه.

وأشار إلى أن إمدادات الوقود والغاز تراجعت بنسبة تصل إلى 20%، وهو ما انعكس بشكل مباشر على مصر، التي تعتمد على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الطاقة، ما فرض ضغوطًا سعرية استدعت تدخلًا حكوميًا سريعًا لتأمين الاحتياجات الأساسية.

 

بين السياسة والاقتصاد… إشارات تهدئة حذرة

وفي قراءة للمشهد السياسي، أشار الألفي إلى أن الأسواق التقطت إشارات تهدئة مؤقتة عقب تصريحات للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، والتي ألمحت إلى إمكانية فتح مسار تفاوضي، ما انعكس بشكل فوري على استقرار نسبي في مؤشرات الأسعار.

إلا أنه شدد على أن انتهاء العمليات العسكرية – إن حدث – لن يعني نهاية الأزمة، مؤكدًا أن التداعيات الاقتصادية ستستمر لفترة لا تقل عن ستة أشهر، نتيجة الأضرار الهيكلية التي لحقت بسلاسل الإمداد.

 

سيناريوهات مفتوحة… وأزمة قد تعيد تشكيل العالم

واختتم الألفي تصريحاته بتحذير واضح من سيناريو كارثي في حال استمرار الحرب، متوقعًا وصول أسعار النفط إلى 200 دولار للبرميل – حال توفره – مع إمكانية تضاعف أسعار الغاز أربع مرات، ما يضع العالم أمام واحدة من أعنف أزمات الطاقة في تاريخه الحديث.

وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط تصاعدًا في التوترات الجيوسياسية، في ظل أهمية المضايق البحرية التي تمر عبرها نحو 30% من تجارة النفط المنقولة بحرًا، وهو ما يجعل أي اضطراب فيها تهديدًا مباشرًا للاقتصاد العالمي.

 

في المحصلة، تكشف الحرب على إيران عن تحول نوعي في طبيعة الصراعات الدولية، حيث تتداخل الجغرافيا السياسية مع معادلات الاقتصاد بشكل غير مسبوق، لتصبح الطاقة هي سلاح المرحلة، وتغدو الأسواق العالمية ساحة موازية للصراع. وبينما تحاول الدول الكبرى احتواء التداعيات، تظل الدول النامية – وعلى رأسها مصر – مطالبة بإدارة التوازن الدقيق بين تأمين احتياجاتها ومواجهة موجات التضخم العالمية.

 

يعتمد برنامج “واجه الصحافة” على نخبة من الإعلاميين، برئاسة أسامة راضي، وبإشراف علي عبد الصادق مدير البرامج، وتتولى رئاسة تحريره شيرين الشافعي، ومن إخراج لمياء جودة، وتقديم الإعلامي شهاب شعلان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *