لماذا يرتكب العارفون بالقانون أبشع الجرائم؟.. قراءة في النفس والقانون والأخلاق
بقلم / فوزي قرني
يطرح هذا التساؤل نفسه كلما تورط محامٍ أو قاضٍ أو أحد المتخصصين في القانون في جريمة خطيرة: لماذا يقدم شخص قضى سنوات طويلة في دراسة النصوص القانونية، وفهم العقوبات وثغرات التشريعات، على ارتكاب جريمة يعلم مسبقًا أنها قد تنهي مستقبله؟
يرى الكاتب أن الإجابة لا تكمن في المعرفة القانونية وحدها، بل في مجموعة من العوامل النفسية والأخلاقية التي قد تتغلب على العقل والمنطق في لحظات معينة.
انهيار العقلانية أمام الضغوط النفسية
يقوم القانون على افتراض أن الإنسان كائن عقلاني يوازن بين المكاسب والخسائر قبل اتخاذ أي قرار، إلا أن هذا الافتراض قد ينهار أمام الأزمات النفسية الحادة.
ويشير الكاتب إلى أن الغضب الشديد، والرغبة في الانتقام، والتوترات الأسرية المزمنة، قد تعطل التفكير المنطقي وتدفع الإنسان إلى اتخاذ قرارات كارثية.
كما أن الضغوط النفسية المتراكمة، مثل فقدان المقربين أو الإخفاقات المتكررة، قد تجعل الشخص غير مبالٍ بعواقب أفعاله، فتتساوى لديه الحرية مع السجن، أو الحياة مع الموت.
وفي لحظة ارتكاب الجريمة، قد يتراجع الوعي بالقانون أمام دافع نفسي قهري يسيطر على السلوك، فيغيب التفكير في النتائج المستقبلية.
وهم الإفلات من العقاب
في بعض الحالات، لا يكون الدافع نفسيًا فقط، بل يرتبط بثقة مفرطة بالنفس ناتجة عن المعرفة القانونية.
ويعتقد بعض المتخصصين أنهم قادرون على اكتشاف الثغرات القانونية، أو إخفاء الأدلة، أو تضليل جهات التحقيق، بما يمكنهم من الإفلات من العقاب.
كما قد يخطط البعض مسبقًا لاستغلال دفوع قانونية، مثل انتفاء القصد الجنائي أو الدفاع الشرعي أو غيرها، أملاً في تخفيف العقوبة أو تجنبها.
عندما يغيب الوازع الأخلاقي
ويؤكد الكاتب أن القانون يمثل رادعًا خارجيًا تفرضه الدولة، لكنه يفقد تأثيره إذا انهار الوازع الأخلاقي والإنساني داخل الفرد.
فعندما تتراجع القيم الأخلاقية، يصبح الخوف من العقوبة أقل تأثيرًا، خاصة لدى من يعيش حالة من اليأس أو الاضطراب النفسي.
كما أن العقوبات، مهما بلغت شدتها، قد تردع الإنسان المستقر نفسيًا، لكنها قد لا تكون كافية لمن فقد القدرة على تقدير قيمة الحياة أو نتائج أفعاله.
الخلاصة
يخلص الكاتب إلى أن معرفة عقوبة القتل لا تمنع القاتل إذا غابت إنسانيته، كما أن معرفة عقوبة الرشوة لا تمنع الفاسد إذا سيطر عليه الجشع.
ويرى أن حماية المجتمع لا تعتمد فقط على تشديد العقوبات أو نشر الثقافة القانونية، بل تحتاج أيضًا إلى الاهتمام بالصحة النفسية، وتعزيز التربية الأخلاقية، وترسيخ القيم الإنسانية، لأن المعرفة بالقانون وحدها لا تكفي إذا غاب الانضباط النفسي والضمير الأخلاقي.


