أَشْجَارُ الثَّلَاثِينَ
رسالةٌ إلى كلِّ مَن سَحَقَهُ الزَّمَنُ
بقلم الأديب المصري
د. طارق رضوان جمعة
يا مَن بَكَيْتِ على نُهُودِ العُمْرِ إذْ ذَبُلَتْ
واستيقظَ المرآةُ تبكي حينَ شاخَ النَّهارُ
مهلًا… فليسَ الذُّبلُ حِكْرًا في حدائقِكنَّ،
فللرجالِ كذلكَ أشجارٌ… بها انكَسَرَ الثَّمارُ.
وفي غابةِ الثلاثينِ…
رأيتُ الساعاتِ تَحْمِلُ فُؤوسًا،
وتقطعُ أعمارَنا كما يقطعُ الحطَّابُ ضوءَ الغابة.
نحنُ الذينَ خبَّأنا قلوبَنا في جيوبِ المعاطفِ القديمة، حتى لا يراها الفقرُ… فيستعيرُ منها النبض.
The forest stole our silent flame,
Yet every root recalls our name.
Though branches bend beneath the sky,
The buried seeds refuse to die.
تأخَّرْنا عنِ الحُبِّ… لا لأنَّ القلبَ ضلَّ طريقَه، بل لأنَّ الخبزَ كانَ يَغْلِقُ بابَ القصائدِ كلَّ مساء.
وكانتْ جيوبُنا ثقوبًا سوداءَ، تبتلعُ الأماني ولا تُعيدُ منها سوى الصدى.
وفي غابةِ الثلاثينِ كلُّ رجلٍ يحملُ طفلًا صغيرًا مختبئًا خلفَ ربطةِ العنق.
ويقولُ للعالمِ: “أنا بخير.”
بينما تنهارُ المدنُ داخلَ ضلعٍ واحد.
The clocks have drunk our golden years,
They feed on hope, they bloom from tears.
Yet stars still write on broken stone:
“No faithful heart shall die alone.”
تعلَّمْنا أن نُصفِّقَ للآخرين ونخفي كسورَنا داخلَ أصواتِ التصفيق.
وتعلَّمْنا أن نبتسمَ للصُّور، ثم نعودَ لنُطعمَ الوحدةَ من بقايا الكلام.
الحزنُ… ليسَ ابنَ النساءِ وحدهنَّ.
بل هو طائرٌ أعمى يبني أعشاشَه فوقَ أكتافِ الجميع.
أبوهُ الزمنُ، وأمُّهُ الانتظارُ، وأخوهُ الصمتُ.
وفي غابةِ الثلاثينِ كانتِ الأشجارُ تسجدُ للريحِ، لا خوفًا… بل لأنها تعبتْ من الوقوف.
When autumn crowns the weary tree,
It whispers still: “Remember me.”
The winter lies—but roots believe,
Beyond farewell, the woods shall breathe.
تعالي… لا لِنَعقِدَ قِرانًا، بل لِنُرمِّمَ هذا الكوكبَ الصغيرَ الذي يسمونه: قلبًا.
تعالي… نغسلُ أقدامَ بعضِنا من طينِ المقارنات، فما اتَّسخنا… ولكنَّ الطرقاتِ كانتْ أكثرَ وحلًا من أحلامِنا.
ولا تخافي إنْ تأخَّرَ الغُصنُ عن الإزهارِ.
فكم من شجرةٍ ظنَّها الناسُ ميتةً، ثم أزهرتْ حينَ ملَّ الربيعُ من انتظارِها.
الرزقُ… ليسَ ساعةً معلَّقةً على جدارِ العمر.
إنهُ طائرٌ يُخطئُ العناوينَ أحيانًا، ثم يعودُ معتذرًا بربيعٍ كامل.
هاكِ يدي…
لا لتوقيعِ عقدٍ، ولا لشراءِ الغدِ، بل كي لا يبتلعَنا الوحلُ فرادى.
وليعلموا جميعًا…
أنَّ شرفَ الإنسانِ لا يُقاسُ بسرعةِ الزواجِ، ولا بعددِ الأطفالِ، ولا بتاريخِ الميلادِ.
فالقلوبُ لا تعرفُ التقاويم.
وفي غابةِ الثلاثينِ…
رأيتُ الأشجارَ العجوزَ تلدُ عصافيرَ صغيرة.
وعرفتُ…
أنَّ اللهَ لا يزرعُ الأملَ إلا في الأرضِ التي ظنَّها الناسُ قد ماتت.
No age can chain the soul’s desire,
Each ash conceals tomorrow’s fire.
When Heaven calls the seeds to rise,
Dead forests bloom before our eyes.


