“حُقُوق”
بقلم الأديب المصري
د. طارق رضوان جمعة
قبل أن أموت بقليل، لم أرَ مَلَك الموت.
رأيتُ جسدي جالسًا أمامي، كأنه هيئةُ محامين جاءت لتطالبني بحقوقها.
لا قاضٍ فيها، ولا سجين.
فقط أوراق كثيرة تحمل كلمة واحدة… حَق.
لم يكن أحدٌ غاضبًا. وهذا ما أخافني.
فالغاضب يرفع صوته، أما الذي أحب طويلًا فيضع حقه على الطاولة وينتظر.
جلس قلبي أولًا. كان متعبًا إلى درجة أنه لم يعد يخفق، بل يعتذر.
قال: لي عندك حق، فقد أعطيتني للجميع، ونسيتني.
ثم همس:
I gave my heart, I asked no gain,
I loved through joy, I loved through pain.
وسكت. فكان لصمته ختم الرضا.
وفتح عقلي دفتره الأسود. كل صفحة كانت سؤالًا لا تهمة:
خوفٌ من غدٍ لم يأتِ. ندمٌ على أمسٍ لن يعود.
وأحلامٌ كتبتُ أسماء أصحابها، ونسيت أن أكتب اسمي.
قال: كنت تحاول أن تحمي الجميع.
ثم أغلق الدفتر وسأل: ولكن من دلّك على أن تنسى نفسك؟
وكانت عيناي نافذتين مبللتين.
قالتا: بكينا كثيرًا كي لا يراك أحد مكسورًا.
وقالت يداي: أعطينا حتى تعلّمنا العطاء.
وقال ظهري: حملنا، لأنك كنت السند.
وقال فمي: سكتنا، كي يعلو صوت غيرنا.
أما قدماي، فوضعتا أمامي مفتاحًا.
قلت: ما هذا؟
قالتا: أبواب طرقتها.
— ولماذا لم تُفتح كلها؟
قالتا: لأن بعضها لم يكن بابًا… كان درسًا.
وبعض الأبواب كانت مغلقة لتحميك، لا لتعاقبك.
نظرت إلى الجميع. كان جسدي كله قد تحول إلى شهود.
فقلت: وماذا تريدون الآن؟
قال قلبي: اذهب.
— إلى أين؟
قال: إلى من أحبوك، وقل لهم شكرًا.
قال العقل: وإلى من أوجعوك، قل لهم: سامحت.
فتحتُ عيني. كان جسدي في النعش.
وحولي وجوه كثيرة. أهلي. أصدقائي.
ومن أحبتهم. ومن أحبوني. ومن اختلفنا وتصالحنا.
هذه المرة كان الطريق نفسه هو الرسالة.
كل خطوة كانت دعاء صامت:
من قصّرتُ في حقه… سامحني.
من انتظر مني ما لم أستطع… اعذرني.
ومن أوجعني… قد سامحت.
وكانت الأوراق تسقط مني واحدًا تلو الآخر.
ورقة للزوجة: كنت أبحث عن سند لنفسي وأنا أحاول أن أكون سندك.
ورقة للابن: خذ ما عجزتُ عنه… وأكمله.
ورقة للابنة: خذي مني الحب فقط، واتركي الباقي للتراب.
ورقة للحفيدة: قولي فقط: كان إنسانًا أحب كثيرًا وحاول.
ورقة للأخ، وورقة للأخت: القرابة لا تنتظر أن نفرغ من الحياة.
وورقتان من نور… لأبي وأمي: حاولت.
وورقة بيضاء… لمن أحبني ولم أنتبه.
أما صديقي، فلم تكن له ورقة. كان يعرف.
وفي آخر الصف وقف الذين ظلموني
أفضتُ عليهم حبًا، فأعادوه إليّ جرحًا.
نظرت إليهم وابتسمت:
أخذتم مني أشياء كثيرة، لكنكم لن تأخذوا آخر شيء أملكه.
لن آخذكم معي. لا غضب. لا انتقام.
ما بيني وبينكم صار أكبر من قدرتي.
أما حقوقي عند الله… فالله أعلم بها.
حملوا النعش. وكلما اقتربنا من المقبرة سقط مني شيء:
سقط غضبي. ثم خوفي. ثم ندم السنوات.
حتى لم يبقَ مني إلا رجلٌ صغير… يحمل حبًا كثيرًا،
وحقوقًا تركها بين يدي الله.
عند باب المقبرة همست بما لم يسمعه أحد:
لا تبكوا لأنني لم أكن ما أردتم.
قولوا “أحبك” قبل أن تصبح الكلمة ميراثًا.
واعتذروا قبل أن يصبح الاعتذار جنازة.
وسامحوا… ولكن لا تسمحوا لأحد أن يسرقكم من أنفسكم.
أُغلق القبر
وفي الظلام فتحت آخر ورقة في يدي.
كان مكتوبًا عليها: «حَقِّي».
ابتسمت ومزّقتها.
سقط نصفها في التراب. وبقي النصف الآخر في يدي.
فسمعت صوتًا هادئًا. لم يكن مَلَكًا ولا إنسانًا.
كان صوت الورقة: أتظن أن الحساب انتهى؟
انقلبت في كفي.
فظهر على ظهرها سطر لم يكن موجودًا من قبل:
«والآن… أعطِ نفسك حقها»
رفعتُ عينيّ.
فإذا بالقبر الذي دُفنتُ فيه… قد أضاء من الداخل.

