الغريق لا يموت وحده... بل تغرق معه قلوب أحبائه - النايل نيوز
الجمعة, يوليو 24, 2026
الرئيسيةمنوعاتالغريق لا يموت وحده… بل تغرق معه قلوب أحبائه
منوعات

الغريق لا يموت وحده… بل تغرق معه قلوب أحبائه

الغريق لا يموت وحده… بل تغرق معه قلوب أحبائه

 

بقلم / د. محمد عوض سالم

 

كل صيف تتكرر المأساة، وكأن البحر والنهر يكتبان في كل موسم قصة جديدة من الحزن. يخرج شاب أو طفل أو أب إلى رحلة استجمام، يضحك مع أسرته، ويرسم أحلامًا ليوم جميل، لكن دقائق قليلة قد تقلب المشهد كله، فيتحول المصيف إلى مأتم، وتتحول الضحكات إلى صرخات، وتبدأ رحلة طويلة من الألم لا تنتهي بخبر الغرق.

 

فالغريق لا يموت وحده، بل تغرق معه قلوب أحبائه.

 

ما إن يختفي جسد الغريق بين الأمواج أو في أعماق النهر، حتى تبدأ مأساة أخرى أشد قسوة. ساعات، وربما أيام، يقضيها الأب والأم والإخوة والأبناء على الشاطئ، تتعلق أعينهم بالماء، وتتشبث قلوبهم بأمل ضعيف، ينتظرون خبرًا يطمئنهم أو جثمانًا يعيد إليهم شيئًا من السكينة.

 

إنها رحلة لا يعرف مرارتها إلا من عاشها. انتظار قاتل، ودعوات لا تنقطع، ودموع لا تجف، وقلوب أنهكها الرجاء والخوف. فليس هناك ألم أشد على أسرة من أن تعلم أن ابنها أو والدها تحت الماء، ولا تستطيع أن تضمه للمرة الأخيرة.

 

وفي الجانب الآخر من المشهد، يقف رجال الإنقاذ، والمتطوعون، والصيادون، يخاطرون بحياتهم في مواجهة الأمواج العاتية والتيارات الخطرة، بحثًا عن الغريق، ليعيدوه إلى أهله، حتى يوارى الثرى، وتبدأ رحلة الصبر والاحتساب. إنها جهود عظيمة تستحق كل تقدير واحترام.

 

ومع الأسف، فإن كثيرًا من هذه الحوادث لم تكن قضاءً لا يُدفع فحسب، بل سبقها استهانة بالتحذيرات، أو سباحة في أماكن غير مخصصة، أو تحدٍ لأمواج مرتفعة، أو ثقة زائدة في القدرة على السباحة. فالبحر لا يعترف بالقوة، والنهر لا يفرق بين محترف ومبتدئ، وكلاهما لا يمنح فرصة ثانية.

 

كم من أم توسلت إلى ابنها ألا ينزل إلى الماء فلم يسمعها، وكم من أب حذر ابنه من خطورة الأمواج فلم يستجب، ثم عاد الجميع يحملون الحسرة بدلًا من الذكريات الجميلة.

 

أيها الشاب… حياتك ليست ملكًا لك وحدك، بل هي أمانة من الله، وهي حياة لأم ترى الدنيا في عينيك، وأب بنى أحلامه عليك، وإخوة ينتظرون عودتك، وأصدقاء يفرحون بوجودك. فلا تجعل لحظة تهور أو رغبة في التقاط صورة أو تحدي البحر سببًا في حزن أسرتك مدى الحياة.

 

إذا رأيت الراية الحمراء، فلا تنزل. وإذا حذرك رجال الإنقاذ، فاستجب. وإذا كان البحر هائجًا، فلا تغامر. فالرجولة ليست في تحدي الخطر، وإنما في حسن تقدير العواقب، والعودة إلى بيتك سالمًا.

 

ونحن إذ نحزن على كل من فقد حياته غرقًا، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمهم رحمة واسعة، وأن يربط على قلوب ذويهم، وأن يرزق أهلهم الصبر والسلوان، ونرجو من الله أن يتقبلهم بواسع رحمته، وأن يجعل لهم أجر الشهداء.

 

وفي الختام، أوجه رسالتي إلى كل شاب، وكل أب، وكل أم: لا تستهينوا بتحذيرات البحر أو النهر، ولا تجعلوا دقائق من المغامرة سببًا في سنوات من الندم. فالحياة أغلى من أي مغامرة، والفرحة الحقيقية ليست في النزول إلى الماء، بل في أن تعود إلى بيتك سالمًا، لتجد من يحبونك في انتظارك.

 

تذكر دائمًا… أن الغريق لا يموت وحده، بل تغرق معه قلوب أحبائه، ويبقى الألم ساكنًا في بيتٍ فقد أحد أركانه، وربما لا يغادره أبدًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *