من الضياع إلى البناء.. ماذا بعد؟ قراءة في ثورة 23 يوليو ومسيرة بناء الدولة المصرية
الأربعاء, يوليو 22, 2026
الرئيسيةمقالاتمن الضياع إلى البناء… ‼️وماذا بعد؟ ‼️
مقالات

من الضياع إلى البناء… ‼️وماذا بعد؟ ‼️

من الضياع إلى البناء…
‼️وماذا بعد؟ ‼️

✍️ بقلم: أشرف بن ماضي

تمر علينا ذكرى ثورة 23 يوليو 1952، فلا تكون مجرد سطور في كتب التاريخ، بل وقفة مراجعة ومحاسبة. وقفة نسأل فيها: أين كنا؟ وأين أصبحنا؟ وماذا بعد؟

قبل الثالث والعشرين من يوليو، عاشت مصر قروناً تحت حكم أسر غير مصرية ولا عربية. بدأت بالولاية العثمانية عام 1517، ثم توالت أسرة محمد علي وأحفاده، حتى استقر المقام بالاحتلال البريطاني الذي جثم على صدر البلاد سبعين عاماً.

في تلك الحقبة كان القرار ليس قرارنا. السياسة والجيش والاقتصاد تدار من الخارج وفق مصالح المحتل والأسرة الحاكمة. كانت مصر مورداً يصدر القطن لأوروبا، بينما الفلاح المصري يزرع ولا يملك، ويعمل بالأجرة على أرض أجداده.

وكان المجتمع منقسماً. ثروة الأرض مركزة في يد قلة من كبار الملاك والحاشية، والغالبية تعيش على الهامش. التعليم حكراً على القادرين، والأمية تنهش جسد الأمة. البرلمان صوري، والأحزاب مقيدة، والمواطن يشعر بالغربة في وطنه. حاكم لا يتكلم لغته، ولا يحس بوجعه، ولا يسأل عن كرامته.

جاءت الثورة. جاءت لتقول كفى.

أنهت الملكية وأقامت الجمهورية، فأصبح رأس الدولة مصرياً من أبناء هذا الشعب. حققت الجلاء عام 1954 وخرج آخر جندي بريطاني، وأممت قناة السويس عام 1956 واستردت القرار الوطني. رفعت مصر رأسها وتبنت سياسة عدم الانحياز، وصارت صوتاً للأحرار في العرب وإفريقيا وآسيا.

وفي الداخل كانت النقلة أعمق. صدر قانون الإصلاح الزراعي فانتزعت الأرض من الإقطاع ووزعت على الفلاحين. فتحت المدارس والجامعات بالمجان، فصعد ابن العامل والفلاح إلى مقاعد العلم. قامت المصانع الكبرى، وشق السد العالي طريقه في الصخر ليمنح النور والري. تشكلت طبقة وسطى عريضة كانت عماد الدولة الحديثة.

الأهم من ذلك كله، أن الثورة أعادت للمواطن المصري اعتباره. أعادت له معنى الكرامة والاستقلال والانتماء. لم تعد مصر ضيعة تدار لحساب أحد، بل وطناً يملكه أبناؤه ويبنيه بسواعدهم.

ومن 2013 إلى اليوم… استكمال لمسيرة البناء
وإذا كانت 23 يوليو وضعت حجر الأساس لدولة مستقلة، فإن السنوات الثلاث عشرة الأخيرة شهدت أكبر عملية بناء وتحديث في تاريخ مصر الحديث:

1. في بناء الدولة والبنية التحتية:
شبكة طرق وكباري وأنفاق غيرت وجه مصر، العاصمة الإدارية الجديدة، مدن الجيل الرابع مثل العلمين الجديدة والمنصورة الجديدة، مشروعات الإسكان الاجتماعي لتوفير سكن كريم للملايين.

2. في الطاقة والزراعة:
حقل ظهر للغاز، محطات الكهرباء العملاقة، مشروعات الطاقة المتجددة. استصلاح مليون ونصف المليون فدان، مشروع الدلتا الجديدة، تبطين الترع، منظومة الري الحديث.

3. في الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية:
مبادرة 100 مليون صحة للقضاء على فيروس سي، منظومة التأمين الصحي الشامل، تطوير العشوائيات، برامج الحماية الاجتماعية مثل تكافل وكرامة.

4. في بناء وتحديث الجيش المصري:
عقيدة جديدة قوامها الردع وحماية الأمن القومي. تحديث شامل للقوات المسلحة بأحدث الأسلحة العالمية في البحر والجو والبر. إنشاء قواعد استراتيجية مثل قاعدة محمد نجيب وقاعدة برنيس. امتلاك حاملتي طائرات، وغواصات، وفرقاطات، ومقاتلات متطورة. جيش قوي قادر على حماية الحدود وثروات مصر في البر والبحر، ومصدر فخر واطمئنان لكل المصريين.

الفرق الجوهري بين المرحلتين ليس في الأشخاص، بل في السؤال الأكبر: من يملك القرار؟ ومن يستفيد من خيرات هذا البلد؟

في عهد الأسر غير المصرية كان الهدف إدارة مصر كمزرعة. أما في الجمهورية فكان الحلم بناء دولة للمصريين، بكل ما لها وما عليها، ولكن بأيديهم وعقولهم.

إن لكل عصر ظروفه وتحدياته وإنجازاته وأخطاءه. ولكن التاريخ لا يرحم من يجهل دروسه. و23 يوليو تذكرنا كل عام أن الشعوب إذا أرادت الحياة فلابد أن تستجيب السماء.

وماذا بعد؟

بعد أن استرددنا الأرض والقرار والكرامة، وبعد أن بدأنا أكبر ورشة بناء في تاريخنا، يبقى السؤال مفتوحاً للأجيال. هل نصون ما تحقق؟ هل نكمل البناء؟ هل نكون على قدر التضحيات التي دفعت في سبيل هذا الوطن؟

إن مصر لا تحتاج شعارات، بل عملاً. لا تحتاج بكاء على الماضي، بل وعياً بالمستقبل. الثورة أمانة في أعناقنا جميعاً.

حفظ الله مصر، وطناً عزيزاً مستقلاً، لأبنائها وأحفادها.





اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *