وداعًا دكتور غازي البنواني.. حين يرحل الكبار تبقى سيرتهم نبراسًا للأجيال
بقلم: د. محمد عوض سالم
ليس كل راحلٍ يغيب، فهناك رجال إذا غادروا الدنيا بقيت سيرتهم حيّة في الوجدان، تتناقلها الأجيال كما تُتداول القيم النبيلة. هؤلاء لا تُقاس أعمارهم بعدد السنوات التي عاشوها، وإنما بما تركوه من أثر، وما غرسوه من علم، وما صنعوه من رجال. ومن هؤلاء الأفذاذ الأستاذ الدكتور غازي البنواني، أحد أعلام التربية والتعليم في مصر، الذي ترجّل عن صهوة العطاء بعد رحلة عامرة بالإنجاز والإخلاص، تاركًا إرثًا تربويًا وإنسانيًا سيظل شاهدًا على أن الرسالة الخالدة لا تموت برحيل أصحابها.
لم يكن الدكتور غازي البنواني مسؤولًا مرموقًا فحسب، بل كان صاحب رسالة حملها بإيمان، وأدّاها بإخلاص، وعاش من أجلها حتى آخر أيامه.
بدأ مسيرته معلمًا ومربيًا، مؤمنًا بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار للوطن، ثم تدرج في المواقع القيادية حتى تولى منصب وكيل وزارة التربية والتعليم بمحافظة كفر الشيخ، فكان نموذجًا للمسؤول الذي يفتح أبوابه للجميع، ويجمع بين الحزم والرحمة، وبين الانضباط والإنسانية، فترك بصمات ستظل محفورة في ذاكرة كل من عمل معه.
وعندما انتقل إلى محافظة الوادي الجديد وكيلاً لوزارة التربية والتعليم، لم يحمل معه سوى منهجه القائم على العمل المخلص، والإدارة الواعية، واحترام الإنسان. وهناك واصل مسيرة البناء، مؤمنًا بأن التعليم هو حجر الأساس في نهضة الأمم، وأن نجاح أي مؤسسة يبدأ من تقدير العاملين فيها، وإطلاق طاقاتهم نحو الإبداع والتميز.
ولمكانته العلمية الرفيعة، وخبرته الواسعة، اختير مستشارًا لوزير التربية والتعليم لشؤون اللغة العربية، وهو المنصب الذي جسّد مكانته الفكرية والعلمية. فقد كان عاشقًا للغة القرآن، مدافعًا عنها، مؤمنًا بأنها هوية الأمة ولسان حضارتها، فكرّس جهده للارتقاء بها، وغرس حبها في نفوس المعلمين والطلاب.
وامتد عطاؤه خارج حدود الوطن، حين عمل بوزارة التربية والتعليم في المملكة العربية السعودية، فكان خير ممثل لمصر، وخير سفير لمدرستها التربوية، ينقل خبراته بعلم غزير، وأخلاق رفيعة، وصدق في الأداء، حتى حظي بتقدير كل من عرفه وعمل معه.
ولعل أعظم ما يميز الدكتور غازي البنواني أنه لم يكن يصنع النجاح لنفسه، بل كان يصنع الناجحين من حوله. كان أبًا قبل أن يكون مديرًا، ومربيًا قبل أن يكون مسؤولًا، ومعلمًا في سلوكه قبل أن يكون معلمًا في فصله. عرفه الجميع متواضعًا، بشوشًا، رقيق الكلمة، عظيم الخلق، لا يرفع صوته إلا بالحق، ولا يسعى إلى الأضواء، لأن أعماله كانت كفيلة بأن تتحدث عنه.
تعلمنا منه أن القيادة تكليف لا تشريف، وأن المسؤولية أخلاق قبل أن تكون سلطة، وأن احترام الإنسان هو أساس نجاح أي مؤسسة. لذلك أحبه الجميع، واحترمه الجميع، وظل اسمه حاضرًا في كل مجلس يتحدث عن القيم النبيلة والإدارة الحكيمة والتربية الصادقة.
لقد فقدت الأسرة التعليمية المصرية واحدًا من أنبل رجالها، لكن عزاءها أن أمثال الدكتور غازي البنواني لا يرحلون حقًا؛ فهم باقون في تلاميذهم، وفي كل فكرة صادقة زرعوها، وفي كل معلم ألهموه، وفي كل مسؤول تعلم منهم أن خدمة الوطن شرف، وأن التربية رسالة، وأن الإخلاص هو الطريق الوحيد إلى الخلود في قلوب الناس.
نم قرير العين أيها المعلم الجليل… فقد أديت رسالتك، وأخلصت لوطنك، وربيت أجيالًا ستظل تذكرك بكل خير، وستبقى سيرتك العطرة منارة تهدي السائرين في دروب التربية والتعليم.
رحم الله الأستاذ الدكتور غازي البنواني، رحمةً واسعة، وجزاه عن العلم وأهله خير الجزاء، وأسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وألهم أسرته ومحبيه وتلاميذه الصبر والسلوان.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
بهذه الصياغة يصبح المقال أقرب إلى مقال رأي منشور في صحيفة قومية، مع لغة أدبية أكثر قوة وتدفقًا، وخاتمة تليق بقامة تربوية مثل الدكتور غازي البنواني.

