سُوقُ الْمَوْجُوعِينَ
For Sale — The Market of the Wounded
بقلم: الأديب المصري
د. طارق رضوان جمعة
قَرِّب… قَرِّب… تعالى واتفرَّج…
آخرُ مزادٍ على الإنسان…
لا ذهب… ولا فضة… ولا أراضٍ… ولا عقارات…
النهارده البضاعةُ أرواحٌ… والدفعُ… من رصيدِ القلب.
قَرِّب… الفرجةُ ببلاش… لكن… إيَّاك تخرج كما دخلت.
فكلُّ مَن عبرَ هذا السوق… نسيَ شيئًا من نفسه على أحدِ الأرصفة.
دكاكينُ الوجع فاتحة… والأملُ واقفٌ على الرصيف ينتظرُ زبونًا منذُ سنوات.
أنا طفلُ الشارع
أبيعُ آخرَ مرةٍ صدَّقتُ فيها أنَّ لكلِّ أمٍّ طفلًا ينتظرها.
وأبيعُ كرةً تحفظُ أسماءَ الأرصفةِ أكثرَ مما تحفظُ اسمي.
وأبيعُ شتاءً كان البردُ فيه أحنَّ من البشر.
وأبيعُ طفولةً لم تستعملها الضحكةُ قط.
I sold my dreams for crumbs of bread,
Yet hope still warms my shattered bed.
A child with pockets full of rain,
Still smiles beneath unbearable pain.
أنا الأرملة
أبيعُ نصفَ وسادتي… فالليلُ لم يعد يحتاجُ إلى رأسين.
وأبيعُ المرآة… فكلما نظرتُ فيها سألتني: “أما زلتِ تنتظرين؟”
وأبيعُ ثوبًا أسودَ حفظَ ملامحي أكثرَ مما حفظتُها.
The empty chair still knows his name;
Love outlives every dying flame.
She wears the silence like a bride,
With broken moons she cannot hide.
أنا اليتيم
أبيعُ كلمةَ “يا أبي…” جديدةً… لم يسبقْ أن خرجتْ من فمي.
وأبيعُ عيدًا ضاع عنوانُه قبل أن أصلَ إليه.
وأبيعُ حضنًا لم أجربه إلا في الأحلام.
One silent word I could not say;
My father slipped like dawn away.
أنا أمُّ الشهيد
لا… لن أبيعَ ابني.
لكنني أبيعُ ذلك الصباحَ… خرج من الباب… ورجع علمًا على نعش.
وأبيعُ صوتي… فقد بقي ينادي اسمه كلَّ مساء.
He kissed goodbye and faced the sky;
Some never leave… though still they die.
أنا الأب
أبيعُ مفاتيحَ البيت… فمنذُ غابَ ولدي نسيتْ كيف تفتحُ بابًا لا يطرقه أحد.
وأبيعُ كرسيًّا ما زال ينتظرُ صاحبه كلَّ مساء.
وأبيعُ دمعةً تتظاهرُ كلَّ يومٍ أنها حجر.
Justice slept while chains could speak;
The mighty smiled, the helpless weak.
أنا الموظفُ المقهور
أبيعُ ظهري… فقد حفظَ هيئةَ الانحناءِ أكثرَ من هيئةِ الوقوف.
وأبيعُ ابتسامتي… استُهلكتْ في خدمةِ الجميع.
وأبيعُ سنواتٍ قبضتُ راتبَها… ولم أعشها.
My pockets starve, my honor stays;
I count my life in borrowed days.
أنا رجلٌ
أبيعُ قلبًا نظيفًا… وضميرًا شفافًا…
جرَّبتُ الاحتفاظَ بهما… فاكتشفتُ أنهما أغلى من أن يشتريهما أحد…
وأرخصُ من أن يعيشَ بهما أحد.
Truth has no market, none will pay;
Lies are sold a thousand ways.
قَرِّب… قَرِّب… آخرُ نداء… آخرُ مزاد… آخرُ فرصة…
التفتُّ… فلم أجدْ طفلَ الشارع… ولا الأرملة… ولا اليتيم…
كانتِ الدكاكينُ كلُّها مرايا.
والمنادي كان يشيرُ إليَّ… ويبتسم.
وقال: وأنت… ماذا تحملُ في يدك؟ وماذا تُخفي في قلبك؟
وإذا فُتِحَ المزادُ عليك… فماذا ستبيع؟
صمتَ السوق… لكنَّ السؤالَ ظلَّ يطاردُني…
حتى اكتشفتُ أنَّ كلَّ واحدٍ منَّا يمشي في الحياة وهو يجرُّ وراءه دكَّانًا صغيرًا لا يراه أحد…
يبيعُ منه قطعةً من روحه كلَّ يوم… دون أن يشعر.
ثم دخلَ الزمنُ يحملُ ميزانًا من دخان. وقال:
“يا طفلَ الشارع… لن تبقى الأرصفةُ أمًّا لك إلى الأبد.
ويا أيَّتُها الأرملة… الحبُّ لا يُقاسُ بعددِ المقاعدِ حول المائدة.
ويا أيُّها اليتيم… كم من أبٍ أنجب ولدًا ولم يُورِّثه إلا اليُتمَ وهو حيّ.
ويا أمَّ الشهيد… الذين ماتوا من أجلِ معنى… لا تسعُهم قبورُ الأرض.
ويا أيُّها الموظفُ… السنابلُ الممتلئة هي وحدها التي تنحني.
ويا صاحبَ القلبِ النظيف… الأسواقُ لا تُقدِّرُ إلا ما يصدأ.”
ثم ابتسمَ الزمنُ وقال:
“لقد أخطأتم… فأنتم ما جئتم لتبيعوا أوجاعكم…
بل جئتم لتكتشفوا أنَّ الأوجاعَ هي التي اشترتكم.
فإن استرددتم قلوبكم… أفلستم أغنى الناس.”
وانصرف… وأغلقَ السوقَ…
وتركَ على البابِ لافتةً صغيرةً كُتبَ عليها:
“ممنوعٌ بيعُ الكرامة… وممنوعٌ بيعُ الضمير…
فهما العملةُ الوحيدةُ التي ترتفعُ قيمتُها كلما ندرَ وجودُها”
Time whispered low: “Do not despair;
The pure of heart are always rare.
What no one bought, Heaven will keep;
No honest soul is lost too deep.”



