حين يُصافح القلمُ الصاروخ.
رسالة وفاء وتقدير إلى الإعلامية والكاتبة جمانة كرم عياد
ملتقى كتاب العرب والأحرار
الامانة العامة
عدنان سرور الجنيد
صادرة عن ملتقى كتاب العرب والأحرار
ليست كلُّ المقالات تُقرأ، فبعضها يُقاتل.
وليست كلُّ الكلمات تُدوَّن فوق الورق، فبعضها يتحول إلى راياتٍ ترفرف فوق أسوار الكرامة، وإلى خنادق للوعي، وإلى نبضٍ يوازي في أثره هدير الصواريخ وهي تعيد رسم خرائط الردع، وتكتب بلهيبها معادلات التاريخ.
من هذا المقام، يتقدّم ملتقى كتاب العرب والأحرار بأسمى آيات الاعتزاز والتقدير إلى الإعلامية والكاتبة المقاومة جمانة كرم عياد؛ تحيةً لقلمٍ أدرك أن الكلمة حين تُكتب بضمير الأمة، تصبح جزءًا من معركة التحرير، وتغدو الحقيقة سلاحًا لا يقل فتكًا عن الصاروخ.
لقد جاء مقالك الموسوم:
(عزيزًا يا يمن… حين تتحول الضربة إلى عصا موسى)
نصًّا يتجاوز حدود المقالة إلى فضاء الرؤية، فلم يكتفِ بسرد الوقائع، بل أعاد تشكيل معناها، ولم يصف المعركة، بل كشف روحها، واستخرج من بين ركام العدوان بشائر الانبعاث، ومن قلب الحصار أبواب الحرية، ومن الألم إرادةً لا تنكسر.
وحين قلتِ: (ما يراه العالم تصعيدًا، يراه اليمني فرجًا)، لم تكوني تبدلين الألفاظ، بل كنتِ تعيدين بناء الوعي، وتنتزعين الحقيقة من بين أنياب الرواية المعادية.
وحين ختمتِ مقالك بعبارتك الآسرة: (اليمن اليوم لا يرد… اليمن اليوم يبدأ)، لم يكن ذلك خاتمةً لمقال، بل افتتاحًا لمرحلة، وإعلانًا أدبيًا عن ميلاد زمنٍ جديد، تتقدم فيه إرادة الشعوب على جبروت الطغيان، ويثبت فيه التاريخ أن الأمم التي تعرف طريق الكرامة لا تستأذن أحدًا لتصنع مستقبلها.
إن قلمك ليس بعيدًا عن الميدان، بل هو أحد متاريسه، وصوتٌ من أصواته، وامتدادٌ لنبض المقاومين الذين آمنوا أن تحرير الأرض يبدأ بتحرير الوعي، وأن الكلمة الصادقة هي الطلقة الأولى في معركة الانتصار.
ومن المالكية التي كتبت بدماء شهدائها أن الأرض لا تحفظ أسماء المترددين، بل تخلّد خطى الثابتين، إلى الجنوب الذي ظل وفيًّا لبوصلة فلسطين، مؤمنًا بأن معركة الأمة واحدة مهما تعددت الجبهات، إلى الضاحية التي صنعت من الكلمة عقيدة، ومن التضحية ثقافة، ومن المقاومة مدرسةً تتربى في ساحاتها أجيال العزة… يمتد قوس النور المقاوم، وتتوحّد الجغرافيا الحرة في خندقٍ واحد، حيث يتصافح الحبر مع البارود، ويبايع القلم البندقية، وتتآخى ميادين المواجهة من أجل أمةٍ لا تقبل الذل، ولا تساوم على سيادتها، ولا تنحني أمام الاستكبار العالمي.
المشروع المقاوم… جناح النار وجناح النور:
إن المشروع المقاوم لا يحلّق بجناحٍ واحد، بل هو طائرة الرسالة والتحرير، لا تشق سماء النصر إلا إذا اكتمل جناحاها.
الجناح الأول هو جناح القوة العسكرية والصاروخية؛ يرسم حدود الردع، ويصيب أهدافه بدقة، ويهدم أوهام الهيمنة، ويكتب بلهيب الصواريخ معادلاتٍ جديدة، تؤكد أن زمن الاستباحة قد ولى، وأن للأمة يدًا قادرة على رد العدوان وصناعة التوازن.
أما الجناح الثاني فهو جناح الكلمة الحرة؛ الكلمة التي تمنح المواجهة مشروعيتها، وتكسر الحصار الإعلامي، وتفضح جرائم المعتدين، وتنتزع الحقيقة من بين ركام التضليل، وتصنع وعيًا عصيًا على الهزيمة، لأن سقوط الوعي أخطر من سقوط المدن، وانتصار الرواية الصادقة هو المقدمة الطبيعية لانتصار الميدان.
وهنا تتجلى رسالتك، أيتها الكاتبة المقاومة؛ إذ يتحول قلمك إلى منارةٍ تهدي الوعي، ومقالك إلى متراسٍ يحرس الحقيقة، وحروفك إلى ذخيرةٍ معرفية تسير بمحاذاة رجال الميدان، فيتعانق البيان مع الميدان، ويتصافح القلم مع الصاروخ، ويكتمل مشهد المقاومة في أبهى صوره.
فامضي، فما أحوج الأمة إلى أقلامٍ تعرف أن الحرف أمانة، وأن الكلمة موقف، وأن الصمت في زمن المعركة انكسار، وأن البيان الصادق أحد ميادين الجهاد الحضاري.
وإننا في ملتقى كتاب العرب والأحرار، نجدد العهد بأن نبقى حراس الكلمة الحرة، وجنود الوعي، وشركاء في معركة التحرير، نحمل القلم كما يحمل المقاوم بندقيته، ونرفع الحقيقة كما يُرفع اللواء، إيمانًا بأن الأمم لا تنتصر بالسلاح وحده، بل بالسلاح الذي يحرس الأرض، والكلمة التي تحرس المعنى.
ومستمرون في مناهضة الاستكبار العالمي، حتى يسقط آخر حصار، وتتحرر آخر ذرة من أرضنا، ويرتفع لواء الكرامة فوق كل شبرٍ عربي، ويكتب الأحرار بأفعالهم، قبل أقلامهم، الفصل الأخير من سفر الانتصار.


