مسجد لندن المركزي
بقلم : أحمد شوقي عفيفي
داعية إسلامي وكاتب بنغالي
مسجد لندن المركزي هو المسجد الكبير الوحيد الذي تأسس فعليا في السبعينات، وقد افتتح رسميا عام 1977م بحضور ملكي. ولم يكن حين ارتفع فوق أرض لندن مجرد بناء حجري جديد يضاف إلى مفاتن العاصمة، بل كان أشبه بنبضة أولى تدب في قلب مدينة طال انتظارها، كأنها تستقبل روحا جديدة تدخلها بثبات وهدوء. قبته الذهبية، التي تلتقط خيوط الشمس في أكثر الأيام غيما، تبدو كأنها شمس صغيرة اختارت أن تضيء المدينة من مكان عال. وتسامق المئذنة من بين أشجار ريجنت بارك مثل قلم من نور يكتب في هواء لندن صفحة جديدة من حكاية الإسلام في الغرب. تقف في العلو لا بطولها، بل بهيبتها الصامتة التي تشبه وقوف حكيم يعرف الكثير ولا يفصح إلا بما يلزم. وعندما يقترب الزائر من المسجد، يشعر قبل أن يرى، أنه على عتبة مكان يساير الزمن ويتجاوزه في آن. في الداخل تتناغم الأرواح مع العمارة، الضوء الناعم يتسلل من النوافذ، والزخارف الهندسية تنساب كما لو أنها قصائد منقوشة، وتفوح في الأرجاء لمحات من حضارات الأندلس ودمشق والقاهرة وبخارى والمحيط الهندي، تلتقي جميعها في وجه واحد، وجه الإسلام الذي يعانق ما حوله دون أن يفقد ملامحه.
لم يولد المسجد ليكون مكانا للصلاة فقط، بل ليكون جسرا بين الشرق والغرب، وبين المسلمين والدولة البريطانية، وملتقى للعلماء والمفكرين والباحثين. فعلى مقاعده انعقدت لقاءات، وفي قاعاته دارت حوارات أسهمت في صياغة صفحات مهمة من التعايش المعاصر.
يعد مسجد ريجنت بارك اليوم من أعظم الصروح الإسلامية في بريطانيا، ووجهة روحية وثقافية للمسلمين على اختلاف أعراقهم، خصوصا في شهر رمضان والمواسم والأعياد. ولا تكاد تكتمل رحلة زائر إلى لندن دون الوقوف أمام هذه التحفة المعمارية التي باتت عنوانا لهيبة العمارة الإسلامية في قلب المدينة.
بدأت قصة هذا المسجد بمساع امتدت عبر العقود الأولى من القرن العشرين، كان أبرزها جهود اللورد هيدلي، الذي أسلم عام 1913م واتخذ اسم الشيخ رحمة الله الفاروق. وتوجت تلك الجهود حين وافقت حكومة ونستون تشرشل عام 1940م على تخصيص قطعة أرض فريدة ملاصقة لحديقة ريجنت بارك لبناء المسجد. أسس المركز الإسلامي الأول عام 1944م، ثم شرع في بناء المسجد بصورته الحالية عام 1974م ليكتمل عام 1978م بتصميم السير فريدريك جيبيرد الفائز في مسابقة دولية.
يرتفع برج المئذنة البيضاء نحو خمسين مترا يتوجها هلال فضي، وتجاورها قبة نحاسية واسعة ذات زخارف آسرة، بينما صممت الجدران والنوافذ بطريقة تسمح بمرور أكبر قدر من الضوء الطبيعي، حتى يبدو المسجد وكأنه يتنفس نورا يعوض قلة الشمس في شتاء لندن.
ويضم المسجد مرافق نابضة بالحياة تشمل قاعة محاضرات، ومكتبة تحتوي قرابة 24 ألف كتاب، ومتجرا للمقتنيات الإسلامية. كما يرافقه مركز ثقافي يشكل جسرا للتواصل والحوار، وفيه مدرسة تعليمية لنحو 350 طالبا يدرسون العربية والدراسات الإسلامية في عطلة نهاية الأسبوع.
ويقوم المسجد بخدمات محورية للجالية المسلمة، مثل الاستشارات الأسرية، وتوثيق الزواج والطلاق، وإصدار شهادات اعتناق الإسلام، إضافة إلى مبادرة المسلم الجديد التي تضم أكثر من أربعة آلاف مهتد ومهتم بالإسلام.
وفي رمضان يتوهج المسجد بروحانية خاصة، إذ يتقاطر إليه الناس لأداء الصلوات والتراويح، حتى يبدو كأنه قلب العاصمة النابض بالإيمان.
إن مسجد لندن المركزي ليس مجرد حجر أو قبة أو مئذنة، بل روح أقيمت في هيئة معمار، وقصيدة من الضوء تتلى كل يوم، وشاهد على أن الإسلام في بريطانيا لم يعد ضيفا، بل سطرا ثابتا في كتابها المفتوح.
المراجع:
1. تاريخ المسجد المركزي في لندن والمركز الثقافي الإسلامي 1910- 1980 – أل تيباوي
2. المسجد البريطاني: تاريخ معماري واجتماعي – شاهد سليم

