✍️ بقلم الكاتب و الصحفي/ سامي زغدان
باحث في الإعلام الدولي
منذ سنوات وأنا أتساءل عن تلك الحالة التي تتكرر كل عام: خريج كلية إعلام يخرج بشهادته بعد سنوات من الدراسة، يقف أمام باب مؤسسة إعلامية، فلا يفتح له الباب أو يُفتح، لكنه يفاجأ بأن المقاعد التي كان يعتقد أنها تنتظره، يشغلها آخرون من حملة شهادات أخرى. وهذا الأمر المحزن صار مألوفاً، بل عادياً، وهذا وحده يستدعي أن نطرحه ونتحدث عنه ونناقشه.
من المسلٌم به أن الصحافة تحتاج إلى موهبة، بل هي روحها الأولى. ولكن السؤال الذي يلح علىٌ هو: إن كانت الموهبة وحدها كافية، فلماذا ننشئ كليات، ونضع مناهج، وننظّر لتأثير الإعلام، ونُدخل الطلاب في معمعة مناهج الإعلام وأدبياته؟ أليس من التناقض أن نختزل كل هذه السنين في دورة تدريبية لا تتجاوز أياماً، ثم نمنح صاحبها ثقة لا نمنحها لمن اجتهد وتعلم ودرس وتدرب؟
الإعلام ليس مجرد حبر على ورق وليس مجرد ظهور أمام كاميرا. الإعلام علم له ضوابطه، وأخلاقياته، ونظرياته في التأثير والإقناع، وأدوات تحليل الخطاب، ومعرفة بطبيعة الجمهور. وكل ذلك لا يكتسب بالملَكة فقط ، ففي كليات الإعلام يدرس الطالب أدوات وأخلاقيات المهنة وفنونها، بل ويتدرب عملياً داخل الاستوديوهات والمعامل قبل أن يخرج إلى سوق العمل.
ومن المفارقات العجيبة، نجد خريج الإعلام المتسلح بهذه الأدوات يقف متفرجاً على من لم يدرسها، بينما يعمل الآخر في منصب إعلامي، ويتخذ قرارات تحدد ملامح الوعي العام وتوجه المجتمع.
فغير المتخصص قد يخلط بين التقرير والتحليل، وقد لا يميز بين التناول المهني والعاطفي، وقد لا يستوعب أبعاد المعلومة وتداعياتها، وهذا ما يهدد المصداقية.
والأكثر تناقضا أننا في مجتمع يحكمه التخصص في كل شيء: لا محاسب يعالج مريضاً، ولا مهندس يترافع في قضية، ولا طبيب يدير بنكاً، لكن الإعلام وحده المستثنى من نظام المتخصص، وكأنه مهنة لا تحتاج إلى تأهيل، وكأن كل صاحب موهبة ظاهرة يملك الحق في أن يكون إعلامياً. بل نصل إلى ما هو أكثرإجحافا: أن نجد خريج الإعلام يعمل مراسلاً أو محرراً تحت إمرة مدير غير متخصص يتخذ القرارات المصيرية من دون خلفية منهجية، وهو ما يجب أن يتوقف.
وإنصافا للحق، لا نطلب إغلاق الباب أمام المواهب، فهي ثروة حقيقية. لكننا نطلب أن ندمج العلم بالموهبة، وألا يكون العلم في مرتبة ثانوية، وأن يُعاد الاعتبار لخريج الإعلام الذي تعب وسعى، وألا يُوضع تحت إمرة غير متخصص يفوقه في المنصب دون الدراية.
أخاطب هنا المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الهيئة الوطنية للإعلام، الهيئة العامة للاستعلامات، نقابة للصحفيين، ونقابة الإعلاميين:
أرجو منكم مراجعة هذا الملف، والتوقف عند حجم الإحباط الذي يعيشه خريج الإعلام. اجعلوا التخصص شرطاً أساسياً في التوظيف، إلى جانب الموهبة والخبرة، ضمانا للجودة والمهنية وحفاظا على مستفبل التخصص، وضعوا آليات واضحة لتصنيف الوظائف الإعلامية حسب المؤهل العلمي، وأعيدوا النظر في سياسات التعاقد مع غير المتخصصين في المواقع الحساسة.
ولعل ما يمنح هذا المطلب زخماً إضافياً، هو ما تفضل به فخامة الرئيس في كلمته خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية (الأوكتاجون) ، حين تحدث سيادته عن دور الإعلام ووجه بعقد مؤتمر سنوي للإعلام والإعلاميين. وهذا يؤكد أن الإعلام في قمة أولويات الدولة، فكيف لا نبدأ بتأهيل أبنائه وخريجيه ليكونوا أهلاً لهذه المسؤولية؟
خريج الإعلام لا يقل كفاءة، بل هو صاحب حق في مكانته، وهو أهل لها. آن الأوان لنصبح في المقدمة، ويكفي أن تكون مهنتنا هي الوحيدة التي يُستباح فيها التخصص.
الإعلام رسالة، والرسالة لا يؤديها إلا من حملها بوعي وعلم وإخلاص.
وبهذا النداء اختتم، لعله يفتح باباً للحوار ويعود بنا إلى مسار يليق بهذه المهنة العظيمة، ويليق بمن اختارها عن قناعة وحلم. ففي النهاية، الإعلام الجيد أساس نهضوي ومسؤولية وطنية.


