عمار علي حسن في مرآة الراهن:
حوار حول جدلية الروح، وأحوال السياسة والمجتمع، وتجليات الأدب
حاورته د. منال رشاد

نلتقي اليوم بقامة موسوعية، رجل لا يكتب النص بل يحفره في وجدان الواقع. عمار علي حسن، الذي جعل من قلمه جسرًا يعبر فوقه القارئ من تحليلات السوسيولوجيا السياسية الصارمة، إلى تجليات الروح الصوفية، إلى إطلاق الخيال في رواياته وقصصه وأشعاره. في هذا الحوار، نقتحم معه غابة أفكاره، لنربط “الخيال السياسي” بـ “خبيئة العارف”، ونقرأ الواقع بعين المبدع الذي لم يسكن يومًا برجًا عاجيًا.
***
كيف يستطيع قلمك أن يوازن بين صرامة الباحث في “الخيال السياسي” وبين شاعرية الروائي في “شجرة العابد”؟

أنت ضربت مثلين بينهما شيء من تقارب، فالأدب حافل بالخيال، ولا يخلو نص روائي من موقف أو رؤية أو إدراك ما سينزع في النهاية نحو السياسة، حتى ولو بشكل غير مباشر، إذ لا يوجد حدث سياسي إنما حدث فني قد يقارب السياسة. وبناء الخيال السياسي يحتاج إلى شيء من ذائقة الأدب وربما مهمته. لكن التباين التام يمكن أن يوجد بين “شجرة العابد” وكثير من رواياتي، خاصة التي تنتمي إلى مسار الواقعية السحرية وبين كتاب لي مثلًا عنوانه “ممرات غير آمنة .. تهديد الراديكاليين الإسلاميين لوسائط نقل الطاقة. أي بين خيال جامح في الرواية، وخرائط وأرقام وتحليل واقعي صارم في الكتاب.

في العموم أستطيع الفصل في اللغة والتناول بين نص روائي أو شعري أو قصصي لي وبين كتاب علمي في الاجتماع السياسي وغيره، وبين الاثنين ومقالاتي الصحفية التي أنشرها في منابر عدة، وطالما تحدثت عما أسميها “نظرية الراديو”، فهو جهاز واحد به محطات عدة، تستطيعين إدارة مؤشره، فينقلك من سماع نشرة أخبار وتحليل سياسي، إلى برنامج حواري، ثم دراما إذاعية، فأغنية، فمحطة للموسيقى، وأخرى للقرآن الكريم وهكذا.

وعلمتني الظروف التي مررت بها، بين كتابة ما أحب، وكتابة ما ينشر لأتقوت منه، ويحمل رأيي وموقفي بالطبع، أن يحدث هذا الانتقال في رأسي بيسر، فطالما مر بي وقت انتقلت فيه خلال جلسة واحدة من كتابة تحليل سياسي إلى كتابة قصة قصيرة أو قصيدة شعر أو جزء من رواية، ثم إلى كتابة جزء في دراسة أو بحث أو كتاب علمي أو فكري، ولكل طريقته في المعالجة وأسلوبه.
بناء على هذا، هل ترى أن الواقع العربي الراهن يحتاج إلى خيال سياسي جديد لإعادة صياغته، أم أننا بحاجة إلى عزلة العابد لنفهم أصلا ما يدور حولنا؟

نحتاج إلى الاثنين، شيء من تأمل وتمهل لنفهم الأمور من أعماقها، ثم إطلاق الخيال لتعميق الفهم، والبحث عن حلول. فكثير من السجال السياسي الدائر حول أوضاعنا المعقدة يتسم بالتعجل والإرتجال والسطحية، حيث الاشتباك اللاهث حول الأحداث الجارية، بينما تقل في حياتنا المشروعات الفكرية الشاملة التي تسعى بنا إلى الخروج من المأزق الذي نعيشه. وهنا يكون على صناع القرار ومتخذيه أن يمتلكوا قدرًا مناسبًا أو معتبرًا من الخيال السياسي، ويكون هذا أفضل لو أفضى بنا الخيال إلى صناعة استراتيجية أو حتى خطة عمل مدروسة جيدًا.
في ظل التحولات الاجتماعية التي ترصدها في مقالاتك الراهنة، كيف تقرأ اليوم صمود الإنسان البسيط ومأساة جسده كما تجسدت في بطل روايتك الأولى “حكاية شمردل” ؟
عوامل القهر الناجمة عن الفقر والاستبداد تؤثر على الإنسان في النهاية، نفسه وجسده، وما بينهما من تبادل الأمراض النفسجسمية. بطل الرواية عاني شديدًا في أيام تهالك فيه جسده، بعد جراحة وضعته على حافة الموت، وكانت نفسه كسيرة لأنه كان عليه ألا يفكر في أوجاع جسمه فقط، إنما أيضًا في ملابسه التي ضاعت في المستشفى حين خلعها قبيل الجراحة، ولم يكن يملك غيرها. صار هذا البطل واسمه “محمود شمردل” أمثولة على ما يعانيه الإنسان في مجتمعنا من مرض وفقر، وكذلك من الأرق الذي يصنعه وعيه، إذ كان شابًا مثقفًا، ومع هذا كان عليه أن يصمد في وجه كل هذا.
إنها الاستجابة الهائلة التي تستنهضها الإرادة في مواجهة التحديات، وهي سمة لو افتقر الناس إليها في زماننا، مع معاناتهم متعددة الأشكال، لانهاروا تمامًا موتًا أو جنونًا.
4 – إلى أي مدى استطاعت دراستك المعمقة في كتاب “التيار السلفي: الخطاب والممارسة” أن تضع يدها على الفجوة الكامنة بين خطابات السلفية التقليدية وممارساتها الواقعية، وكيف شكلت هذه التحولات الجدلية ملامح المشهد السياسي الراهن؟

كتبت في هذا الاتجاه هذا البحث، وكذلك رواية بعنوان “السلفي”، ومع اختلاف طريقة الكتابة الموزعة في الاتجاهين بين مقتضيات العلم وشروط الفن، تجلت ظاهرة التسلف واضحة سواء على مستوى الأفكار أو الممارسات، وهي أوسع نطاقًا، وأعمق تجذرًا، من انحصارها في الجماعات والتنظيمات السلفية واقتصارها عليها.
فمسار التسلف، في الأفكار والطقوس والتقاليد، ذائب في المجال العام، وله زبائنه الكثر، هم الأغلبية الكاسحة المستسلمة لتفكير متسلف، لا يقف عند حد الرؤى الدينية المحافظة أو الجامدة المنغلقة، لكنه يتجاوزها إلى غيرها، حيث التسلف السياسي والاجتماعي والمعرفي، في تشكل علاقة الفرد بالسلطة، وطبيعة البنى الاجتماعية التي يرتبط بها.
فالسلطة السياسية في بلادنا متسلفة في نزوعها إلى الدكتاتورية، وطرق التعليم متسلفة في تركيزها على التلقين والحفظ، والأداء الاقتصادي متسلف في نزوعه إلى الاتكالية أكثر من الإنتاج، وعلاقتنا بالعالم متسلفة في ركونها إلى التآمر، وجعله سببًا لكل شيء، والنظرة إلى المستقبل متسلفة باستحضارها الماضي على اعتبار أن العودة إليه فيها الترياق أو النجاعة، والنقاش السياسي متسلف من خلال هروبه من مواجهة الحاضر إلى حديث عن حقب وعهود سياسية سابقة، وهي مسألة ظاهرة في المناقشات والمداولات على مواقع التواصل الاجتماعي الإلكتروني.
ـ بما أن روايتك “سقوط الصمت” كانت بمثابة نبوءة لحراك مجتمعي ضخم، فكيف يرى المفكر والروائي بداخلك اليوم مآلات ذلك الوعي الذي تشكل بعد أن كُسر جدار الصمت في وجدان الجماهير؟
هو مآل ليس حسنًا حتى الآن، فحركة الجماهير التي طلبت العدل والحرية والكرامة والكفاية والاستقلال، انتهت الآن إلى الظلم والإكراه والمهانة والعوز ومزيد من التبعية، خاصة في ظل التوسع في الاستدانة. لو وقف الأمر عند هذا الحد سيكون المآل غاية في الصعوبة، بل كابوسًا، لكن من الواجب ألا نقنط، ونرى أن هذه الحراك قد فتح شطر القوس، وتركه مفتوحًا على احتمالات أخرى، علينا أن نعمل في سبيل تعزيز الإيجابي منها، وهذا لن يحدث إلا بمواصلة الكفاح، والنظر بعين الاعتبار إلى تجارب ثورية لأمم أخرى، انتكست فيها الثورات، وتم تفريغها من مضمونها، وعاد القمع أشد مما كان، لكنها لم تلبث أن عرفت طريقها إلى التحرر من جديد، واستفادت من إخفاقاتها السابقة، وتمكنت من بناء نظام سياسي ديمقراطي، ودولة مدنية حديثة.
6 ـ كيف تعيد رواية “جبل الطير” صياغة مفهوم الرحلة الروحية في ظل واقع مادي يفرض على الإنسان الاغتراب عن ذاته ومقدساته؟
هذه رواية مركبة فهي تتابع الطبقات الحضارية المصرية الثلاث (الفرعونية/ مصر القديمة ـ المسيحية ـ الإسلامية)، وتطور الأسطورة الدينية عبر آلاف السنين، من خلال حيلة تتمثل في بطلها خفير الآثار الذي يأتيه هاتف في الليل ويناديه، فيتبعه ليجد نفسه في الأزمنة الغابرة، ليس متفرجًا من بعيد إنما مشاركًا، ويورثه هذا حيرة مقيمة، لاسيما أنه يواجه في كل زمن المتنطعين والقتلة باسم الله والمستغلين للدين، لكنه يجد باب الخروج في العقلانية ـ الروحانية، التي يمثلها العلم ببرهانه، والتصوف بعرفانه، وأفقه البراح، وأنا دومًا أفرق بين التصوف والطرقية، إذ أتحدث عن علاقة مباشرة وعميقة وخاصة مع الله، وليس تلك الأشكال الجمعية من التدين الصوفي التي تقع أحيانًا في فخ الخرافة أو التجاوز الاجتماعي. هذه الثنائية التي تتضافر يمكنها أن تساعدنا على مواجهة التوحش المادي، الذي حول الإنسان إلى كائن شره كريه أو آلة.
7 – تميل في روايتك “خبيئة العارف” إلى النزعة الروحية الصوفية؛ فكيف يمكن للتصوف في نظرك أن يكون أداةً للمقاومة وترميما للداخل أمام الأزمات الخارجية المستعصية، بدلا من أن يكون نكوصا أو استكانة عن ضجيج السياسة؟
التصوف يحمل أو يخلق ما تسمى “الثناقيمية” أو القيم المزدوجة، التي تعني حضور شيء من تناقض في الفهم والسلوك المترتب على القيمة الفلسفية أو الإنسانية الواحدة، فمثلًا الزهد يمكن أن يملأ نفس الإنسان بقوة الاستغناء فتزيد قدرته على التحمل والمقاومة، لأنه يظل عصيا على الاصطياد من بطنه أو جيبه أو فرجه أو مقعد يعطيه سلطة أو مكانة زائفة وزائلة. في الوقت نفسه يمكن للزهد أن يقود الإنسان إلى الانسحاب من المواجهة واللامبالاة.
والمعرفة اللدنية يمكن أن تجعل الإنسان يجنج إلى التفكير الخرافي إن غالى فيها، ويمكنها أن تفتح الأفق أمام المعرفة العلمية، بحضور الحدس مع البرهان. والولاية يمكن أن تخلق أمام الإنسان قدوة تنير له الطريق، ويمكن أن تقوده إلى شكل من الإتباع والتسليم لغيره، والمحبة بوسعها أن تمنح الفرد التسامح، ويمكن أن تلقي به في وحل التساهل والتفريط.
عالجت هذا بشكل علمي في كتابي “التنشئة السياسية للطرق الصوفية في مصر .. ثقافة الديمقراطية ومسار التحديث لدى تيار ديني تقليدي”، وحضر في رواية “خبيئة العارف” بطريقة فنية عبر بطل الرواية، أو الشخصية المركزية لأحداثها الفنية، وهو الشيخ محمد ماضي أبو العزائم الذي توفى 1937 وكان إلى جانب عمله وزهده وولايته مناضلًا سياسيًا، شارك في الكفاح ضد الاحتلال الإنجليزي في مصر والسودان، في وقت كان يحرص فيه على تربية مريديه على الورع والأخلاق.
8 – كيف يقرأ الباحث السوسيولوجي بداخلك تأثير المكون الروحي الذي رصدته في كتابك ” التنشئة السياسية للطرق الصوفية” في توجيه دفة الانتماء لدى قطاع عريض من المصريين حاليا؟
عالجت في هذا الكتاب الانتماء في وجه الاغتراب مع قيم أخرى مثل المساواة في مقابل التفاوت، والعدل في مقابل الظلم، والحرية في مقابل الإكراه. والانتماء هنا تجلى في نتائج دراسة ميدانية على عينة ممثلة من الطريقتين الخليلية والحامدية الشاذلية، حيث أجاب أعضاؤها على تساؤلات تقيس مؤشرات الانتماء، وبينت أن أعضاء الطرق الصوفية يبدون انتماء أو ولاء وطنيًا ظاهرًا، فضلًا عن أن الصوفية كمسار ديني تحقق الانتماء بطريقة أخرى، وهي التماشي مع طبيعة التدين المصري، أو الطريق المصري للإسلام.
وفي وقت نرى فيه الانتماء تجرحه عوامل كثيرة منها الفقر والقهر، أو تبني رؤي دينية إسلامية تناقض هذا الطريق المصري، يمكن أن يتم الاستفادة من الصوفية من خلال فحص انتماء أعضائها في تبيان ركيزة أخرى للانتماء، مهما بلغ العوز والقمع مداه، ألا وهي التمسك بالروح المصرية التي يشكل الدين جانبًا مهمًا منها، أو لها، من أجل إبقاء المصريين على انتماء شديد لبلدهم، حتى لو عانوا من السلطة السياسية، فكل سلطة أو نظام سياسي، مهما طال أمد بقائه في الحكم ذاهب، ومصر باقية.
9 – إذا أردنا اليوم صياغة إعلان ثقافي يمثل ملامح المرحلة الحالية؛ فكيف يمكن للمثقف المشتبك أن ينجو بالهوية من فخاخ الاستقطاب التي تحللها في دراساتك، بينما تحاول لملمة شتاتها في إبداعك القصصي؟
لا بأس أن تكون في مجتمعنا تعددية فكرية وسياسية، فهي تقويه، وتفرض علينا طوال الوقت أن نتعامل مع السياسة باعتبارها التسوية السلمية العلنية المقننة للخلافات والاختلافات. التعدد والتنوع يجب أن يكون مثل النهيرات الصغيرة التي تصب في المجرى الرئيسي للنهر، والنهر هنا هو المجتمع المصري الذي يمثل العمود الفقري الدائم للدولة.
ومن أسف فإننا نشهد في الفترة الحالية حالة من الاستقطاب السياسي والفكري الحاد، هو ابن الصراع السياسي، تغذيه الشكوك المقيمة في النوايا، والتصرفات المنتهكة للقانون، وربما يلعب الأدب دورًا في تخفيف حدة هذه الآفة، أو لملمة أشتاتنا، خاصة السرد، رواية وقصص، لأن الشخصيات التي تصنع الأحداث مستنبتة من رحم المجتمع، وتمثله بشتى أطيافه، حين تعطي كل فرد فيه فرصة، من خلال الحوار على الأقل، ليعرض وجهة نظره، وهو أمر لا نراه في الحياة السياسية على أي حال.
ويمكنني أن أضرب مثلًا في هذا الشأن بروايتي الجديدة “ملحمة المطاريد” التي صدرت في ثلاثة أجزاء، وتدور أحداثها في خمسة قرون من تاريخ الريف والمدينة المصرية، إذ قادت الشروط الفنية، وتطور الأحداث إلى تمثيل مختلف شرائح المجتمع المصري.
حاولت أيضًا في كتابي “أبواب الأذى .. دفتر أوجاع أهل مصر” أن أجمل كل ما يعاني منه مجتمعنا الآن، ولم أترك أحدا، على قدر الإستطاعة، إلا وسمعت صوته، ثم قدمت طريقة للخروج موزعة على كل وجع تناولته. إنه حالة أيضا من لملمة شتات الموجوعين والمجروحين، بعيدًا عن آفة الاستقطاب السياسي والفكري الحاد.
***
انتهى حوارنا مع عمار علي حسن، صاحب الثلاثة وستين كتابا في الأدب والفكر والاجتماع السياسي، لكن الأسئلة التي أثارها لا تزال معلقة في فضاء التأمل، تماما كأبطال رواياته الذين يبحثون عن يقين ما في زمن القلق. غادرنا “جبل الطير” ولم نغادر دهشته، وخرجنا من “خبيئة العارف” محملين بعبء الوعي الذي يفرضه علينا المثقف المشتبك، الذي يسعى طوال الوقت إلى الانتصار لـ “المطاريد”.
شكرا للدكتور عمار الذي منحنا من وقته وفكره، وشكرا لكل قارئ مخلص شاركنا هذا السفر عبر الكلمات، محاولا معنا أن يجعل من الحوار جسرا حقيقيا نحو الفهم. وحتى نلتقي في مغامرة فكرية أخرى.. ابقوا دائما في بقعة الضوء.

