حين يشتدّ الكرب… يولد النور
بقلم مستشار محمود السنكري
في زحمة الحياة حين تتكاثر الأسئلة وتضيق الصدور يقف الإنسان حائرًا أمام أقدار لا يفهم سرّها وأحداث لا يدرك حكمتها وهنا تتجلّى الحقيقة العميقة التي نغفل عنها كثيرًا حين قال الله تعالى:
﴿ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ﴾
فالعجز عن فهم الحكمة لا يعني غيابها بل يعني قصور إدراكنا أمام عظمة التدبير الإلهي.
إن النظر إلى حقائق الأحداث وأسرار الحكمة فيها يزرع في القلب طمأنينة خفية ويمنح الروح قدرة على الصبر على أقدار الله المؤلمة، لأننا نوقن أن خلف كل ألم معنى وخلف كل تأخير حكمة ، فكم من مرة ضاقت بنا السبل حتى ظننا أن النهاية قد حانت ثم انفرجت الأبواب من حيث لا نحتسب،
مصداقًا لقوله تعالى:
﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾
وكم من حصادٍ تأخر أو تعثر أو بدا وكأنه يبهت لكنه في النهاية أتى لأن وعد الله حق لا يتخلّف، إن التأخير ليس حرمانًا بل إعداد وليس التعثر فشلًا بل تشكيلٌ جديد للروح حتى تتهيأ لما هو أعظم.
إن الإنسان بطبعه يعجل يريد الفرج الآن ويريد الإجابة دون انتظار لكنه ينسى أن الله يُدبّر بحكمة ويؤخر ليعطي في الوقت الأكمل..
لذلك جاء الوعد مطمئنًا مكررًا:
﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾
وكأن الله يهمس في قلب كل مهموم: لا تيأس… فإن الفرج يسير بجوارك وإن لم تره.
وحين يشتد الكرب تذكّر أن ذلك ليس نهاية الطريق بل بداية الانفراج فقد قال رسول الله ﷺ:
“واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرًا”
فاشتداد البلاء ليس إلا علامة على اقتراب الفرج ودعوة خفية للثبات واليقين.
استبشروا إذا رأيتم الكرب يشتد واعلموا أن فرج الله قريب… فليس من عادة الله أن يضيّق إلا ليوسّع ولا أن يؤلم إلا ليشفي ولا أن يؤخر إلا ليُعطي ما هو أجمل.
الدعاء… ذلك السهم الذي قد يطول مداه لكنه لا يضيع هو أعظم ما يملكه الإنسان في لحظات ضعفه.
وقد قال النبي ﷺ:
“يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يُستجب لي”
فلا تقنط من رحمة الله وادعُه ولو تأخرت الإجابة فكل دعاء محفوظ وكل رجاء مسموع لكنه يأتي في توقيتٍ يعلم الله أنه الأنسب لك.
وما أعجب البلاء… يبدأ وجعًا لا يُطاق لكنه في نهايته يكشف لك وجهًا آخر للحياة ، وجهًا أكثر قربًا من اللهوأكثر فهمًا لمعنى السكينة وكثيرًا ما تكون خلاصة الألم أنك به عرفت الله حق المعرفة وشعرت بقربه كما لم تشعر من قبل،
مصداقًا لقوله تعالى:
﴿ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ﴾
وفي أعماق الألم رحمة خفية..
فقد قال رسول الله ﷺ:
“ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا همّ ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه”
فكل وجع يطهّرك وكل دمعة ترفعك وكل انكسار يقربك.
الحياة متعبة جدًا… نعم ، لكنها تصبح محتملة بل جميلة حين يكون الله معنا ، لولا الله والقرآن والسجدات والدعوات الصادقة لهلكنا تحت ثقل الأيام،
ولذلك قال سبحانه:
﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾
فلا تيأس إن تأخر الحصاد ولا تحزن إن تعثرت الخطوات ولا تظن أن الله غافل عنك،
فقد قال الله تعالى :
﴿ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ﴾
وكل ما عليك أن تصبر… لكن ليس صبرًا عاديًا بل صبرًا مملوءًا باليقين صبر من يعلم أن الله لا يخلف وعده.
وتذكّر دائمًا… أن الله إذا أحب عبدًا لم يتركه للدنيا وحدها بل أخذه إليه وربّاه وقرّبه ولو كان الطريق مليئًا بالألم… لكنه ألمٌ يصنع نورًا لا ينطفئ.

