دراسة في عتبات المجموعة القصصية: “أنفاس على هامش الزمن” للكاتب نور الدين طاهري.
تأتي مجموعة “أنفاس على هامش الزمن ” للقاص نور الدين طاهري كشهادة إبداعية على انكسارات الذات ومحاولات استرداد الكينونة في مواجهة صخب المركز وقسوة الغياب.
في هذه المجموعة القصصية، لا يكتب طاهري لمجرد الحكي، بل ليجعل من فعل السّرد “نفَسا” وجوديا يقاوم الزوال، ومن “الهامش” فضاء رحبا لرصد الارتعاشات النفسية والأسئلة المعلّقة. وبقراءة فاحصة لعتبات هذا العمل: (الغلاف- العنوان- التقديم)، نجد أنفسنا أمام بنية دلالية متكاملة، تشكّل في مجموعها ميثاقا قرائيا يفتح نوافذ التأمل في مصير الإنسان المعاصر المهدّد بالتلاشي تحت وطأة الزمن.
تنبني عتبة الغلاف في مجموعة “أنفاس على هامش الزمن” للقاص نور الدين طاهري على لغة بصرية تجريدية تفيض بالدّلالات، حيث توحي الخطوط المتداخلة والاشتباكات المتكسرة بشظايا وجودية لذوات متفتّتة تعيش حالة من الاغتراب، في تشابه مثير مع أبطال القصص الذين ظهروا كأنهم سرقوا لحظات عيشهم عنوة من الزمن. تتعزز هذه الرؤية عبر اختيار الألوان الطاغية:( الأبيض-الأزرق والرمادي.) وهي ألوان محايدة تعكس الابتعاد والتخفي وغياب الرغبة في الظهور الكامل بما يتوافق مع الأسلوب السردي الهادئ للكاتب في تعامله مع شخصياته الهشّة. فالغلاف الذي صمّمه الفنّان أحمد الهواري، ليس مجرد صورة تجميلية، بل هو امتداد بصري وعاطفي يهيئ القارئ شعوريا للدخول في غمار تجربة سردية حسيّة تعتمد على الإيحاء أكثر من التصريح، وعلى الظّل أكثر من الضوء.
ويتلاحم هذا المشهد البصري مع عتبة العنوان التي لا تشكل مجرد وسم خارجي، بل هي ميثاق تأويلي مكثّف يختزل فلسفة العمل بأكمله؛ فكلمة “أنفاس” بما تحمله من دلالات فكرية توحي بالهشاشة والارتباط اللحظي بالحياة، وكأن كل قصة هي وحدة زمنية ضرورية للبقاء في عالم يضيق بالذوات المتعبة. أما توصيف هذه الأنفاس بأنّها “على هامش الزمن” فهو يكرّس الرؤية الفكرية للكاتب الذي اختار عمدا الابتعاد عن المركز وضجيج الأحداث الكبرى، ليرصد تلك التفاصيل المنسية التي تسقط من ذاكرة الوقت، ومن هنا أصبح العنوان إشارة وجودية صريحة لكتابة تنقّب عن الإنسان المسحوق والمركون في زوايا الظل، باحثة له عن صدى في زمن متسارع لا يرحم الضعفاء.
ويتجذّر هذا المعنى بعمق في عَتبة التقديم التي صاغها الكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس، حيث قدّم قراءة موازية كشفت عن جوهر تجربة نور الدين طاهري بوصفه كاتبا يتأمّل العالم من موقع حسّاس ومرهف.
فالتقديم لم يكتفِ بالجانب التقريري، بل طرح أسئلة كبرى حول الوجود والذات، واضعا القارئ أمام امتحان حقيقي يتجاوز حدود السّرد التقليدي، ليصبح المتلقّي شريكا رئيسيا يتحمّل تبعات صوته الداخلي وهو يواجه أنفاس الهامش، عبر شخصيات تعيش في منطقة التماس بين الحضور والغياب، بين الوجود والعدم، مما يجعل فعل القراءة رحلة تطهيرية يعيد من خلالها القارئ صياغة علاقته بالآخرين، وبالتحديد أولئك الذين يقبعون في الهوامش بعيدا عن المركز، وهو ما يجعل من التقديم جسرا ضروريا للعبور نحو المتون السردية بوعي نقدي وإنساني مختلف.
إن المتتبع لمسار هذه العتبات مجتمعة يجدها ترسم خارطة طريق نحو عالم قصصي يحتفي بالأشياء الصغيرة ويمنح صوتا لمن لا صوت لهم. فبين العنوان الذي يحدّد الزمان والمكان(الهامش واللحظة)، والتقديم الذي يشرح الفلسفة والمنهج، والغلاف الذي يجسد الحالة النفسية بصريا، نجد أنفسنا أمام بنية نصّية متماسكة تجعل من الكتابة فعلا للمقاومة ضد المحو والنسيان. لقد برع الكاتب في جعل القارئ يشعر بأن هذه الأنفاس هي أنفاسه هو، وأن الهامش الذي يتحدث عنه هو المساحة الحقيقية التي يختبر فيها إنسانيته الحقيقية بعيدا عن الأقنعة الزائفة، لتنتهي بنا الدراسة إلى أن المجموعة القصصية الصادرة عن دار النشر: “النورس” تمثل رؤية نقدية للواقع بلغة شاعرية مكثفة، جعلت من الهامش مركزا جديدا للتأمل الوجودي الصِّرف.
بقلم/ بشرى طالبي
أنفاس على هامش الزمن : مجموعة قصصية
المؤلف : نورالدين طاهري
التقديم: عبد العزيز كوكاس
لوحة الغلاف: أحمد الهواري
دار النشر : النورس
بشرى طالبي

