الاستراتيجية القرآنية وإسقاط معادلة الاستباحة:تحليل استراتيجي في المواجهة مع المخطط الصهيوني.
(قراءة تحليلية لخطاب السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي – 14 شوال 1447هـ).
عدنان عبدالله الجنيد.
من الخطاب إلى العقيدة القتالية:
لا يمكن التعامل مع خطاب السيد القائد بوصفه خطابًا تعبويًا ظرفيًا أو توصيفًا أخلاقيًا للصراع، بل هو وثيقة استراتيجية تؤسس لمرحلة جديدة من المواجهة، تنتقل فيها الأمة – ومحور الجهاد تحديدًا – من موقع ردّ الفعل إلى هندسة الصراع على أساس قرآني شامل.
الخطاب يعلن بوضوح نهاية مرحلة الاستباحة المفتوحة، وبداية صراع صفري لا يقبل الحياد، تُعاد فيه صياغة موازين القوة عسكريًا، ومعايير الاصطفاف سياسيًا، ومفاهيم الوعي والانتماء ثقافيًا.
أولًا: التحول العسكري واختلال موازين القوة:
1) الردع كحقيقة عملياتية لا شعار:
يضع الخطاب العمليات الصاروخية الإيرانية في سياقها الاستراتيجي الصحيح: ضربات محسوبة أعادت تعريف الردع، وأسقطت وهم التفوق المطلق للعدو. لم تعد الصواريخ رسائل سياسية، بل أدوات تغيير ميداني تُصيب عمق العدو وتفرض عليه إعادة حساباته الأمنية والاقتصادية والعسكرية.
2) الفشل الأمريكي–الصهيوني :
يكشف الخطاب – استنادًا إلى اعترافات العدو – عن تآكل غير مسبوق في القدرات العسكرية والصناعية، بما يعكس انتقال محور الجهاد إلى مستوى نوعي في توظيف المسيّرات والصواريخ الدقيقة. هذا الفشل ليس تكتيكيًا عابرًا، بل اختلالًا هيكليًا في منظومة الردع الغربية.
3) معيار الخسائر البشرية:
يركّز الخطاب على الخسائر في صفوف الضباط والجنود بوصفها المعيار الحقيقي للنجاح، وهو انتقال واعٍ من منطق الضربة الرمزية إلى منطق الاستنزاف الممنهج، الذي يضرب العمود الفقري للقوة المعادية ويقوّض ثقة المجتمع الصهيوني بجيشه.
ثانيًا: طبيعة الصراع والمخطط الصهيوني الشامل:
1) انكشاف الهدف النهائي:
يؤكد الخطاب أن المعركة ليست دفاعًا عن غزة أو فلسطين وحدها، بل مواجهة مشروع استئصالي يستهدف جغرافيا الشرق الأوسط برمّتها، مع اعتبار البلدان العربية الحلقة الأضعف والأولى بالاجتياح.
2) العدو كتهديد حضاري:
توصيف العدو بـ“شرّ البرية” ليس توصيفًا عاطفيًا، بل توصيفًا استراتيجيًا لكيان يحمل سجلًا تدميريًا عابرًا للحدود، يستهدف الإنسان والقيم والنظم الاجتماعية، ولا يمكن التعايش معه أو احتواؤه.
3) سقوط خيار التدجين:
يحذر الخطاب من أن أنظمة الاستسلام ليست في مأمن، بل هي الضحية المؤجلة. فالتخلّي عن خيار المواجهة لا يشتري الأمان، بل يسرّع السقوط عند أول فراغ تخلّفه المقاومة.
ثالثًا: اليمن… من الإسناد إلى الفعل المباشر:
1) الانتقال إلى التنفيذ:
يعلن الخطاب بوضوح دخول اليمن مرحلة الفعل العسكري المباشر عبر الصواريخ والمسيّرات، في إطار عمليات مشتركة تنطلق من الهوية الإيمانية، لا من حسابات الربح والخسارة السياسية.
2) وحدة الساحات كمعادلة ردع:
الموقف اليمني ليس استثناءً، بل جزء من منظومة جهادية موحّدة، تُدير الصراع بعقل جماعي، وتغلق الثغرات التي راهن عليها العدو تاريخيًا.
3) إسقاط الحياد:
يُسقِط الخطاب أي شرعية لموقف الحياد، ويحوّل المشاركة إلى واجب ديني وأخلاقي، لا خيارًا سياسيًا قابلًا للتأجيل أو التبرير.
رابعًا: الوعي الشعبي ومعركة الغربلة:
1) تفكيك أدوات التضليل:
يفضح الخطاب الأبواق التي تهاجم إيران ومحور الجهاد، ويضعها في موقع الشراكة المعنوية مع العدو، بوصفها أدوات تشويه وتثبيط تخدم المشروع الصهيوني.
2) الغربلة كقانون إلهي:
تُقدَّم المرحلة الراهنة بوصفها لحظة فرز تاريخي، تُسقط الأقنعة، ويُميَّز فيها الصادق من المتخاذل، في سياق سنن الله في الصراع.
3) الاستثمار في الإنسان:
يركّز الخطاب على الدورات الصيفية والأنشطة التعبوية باعتبارها خط الدفاع الاستراتيجي طويل الأمد، لبناء جيل يحمل الوعي والسلاح معًا.
خامسًا: المسار العملي والنفير العام:
1) الحراك المليوني كرسالة استراتيجية:
دعوة الخروج المليوني ليست حشدًا رمزيًا، بل أداة ضغط نفسية وسياسية تؤكد تماسك الجبهة الداخلية في توقيت حاسم.
2) التعبئة المستدامة:
تُطرح المسيرات والأنشطة التعبوية كجزء أصيل من الجهاد، يوازي الفعل العسكري، ويضمن استمرارية الزخم الشعبي.
خلاصة استراتيجية:
عسكريًا: محور الجهاد يمتلك قدرة متنامية على كسر التفوق التقني للعدو وإعادة تثبيت الردع.
سياسيًا: تفتيت المعركة هو أخطر أدوات العدو، ووحدة الساحات هي خط الدفاع الأول.
ثقافيًا: المعيار القرآني هو البوصلة في تحديد العدو والصديق، بعيدًا عن حملات التضليل.
عمليًا: الاستمرارية في الحراك الشعبي والتعبئة التربوية تشكّل العمق الاستراتيجي للصمود والانتصار.
الخلاصة الكبرى:
خطاب السيد القائد لا يصف معركة… بل يرسم خارطة انتصار، عنوانها: لا استباحة بعد اليوم، ولا حياد في زمن الفرز، ولا مستقبل لمشروع صهيوني يواجه أمةً قررت أن تقاتل بعقيدتها، ووعيها، وسلاحها.

