من “سايكس بيكو” إلى تقسيم الأرض و تذويب الهوية.. هل تلفظ الدولة الوطنية أنفاسها الأخيرة ؟
بقلم : نسرين معتوق
لم يكن “مارك سايكس” و لا “فرانسوا بيكو” يدركان، وهما يقتسمان تركة “الرجل المريض” بقلم رصاص و مسطرة، أنهما يغرسان خناجر ستبقى نصولها في خاصرة العرب لقرن من الزمان.
فاليوم و نحن في مطلع الربع الثاني من القرن الحادي و العشرين، نواجه أمراً أشد فتكاً ، لا نواجه تقسيماً جغرافياً فحسب بل نواجه تذويباً للهوية ، و تحويل أوطاننا من كيانات ضاربة في التاريخ إلى مجرد كيانات جغرافية بلا سيادة ، تُدار شؤونها و علاقاتها ببعضها، و حتى مصائرها “بالريموت كنترول” من وراء البحار.
♦️البداية كانت استهداف الجيوش النظامية :
مع بداية ما أطلق عليه ” الربيع العربي”، كان العنصر المشترك بين كل تلك الثورات هو الهجوم على الجيوش النظامية ، حيث أدرك العقل الاستعماري الجديد أن الدولة الوطنية في المنطقة العربية، و برغم كل ما يشوبها من عثرات وما يُؤخذ عليها من مآخذ ، تستند إلى عمود خيمة واحد هو الجيش الوطني .
لذا، شهدنا جميعاً ذلك الهجوم المنظم و الشيطنة الممنهجة لـ ” المركزية “، و الترويج لـ ” لامركزية خبيثة ” تخفي في طياتها انفصالاً طائفياً أو عرقياً.
و كان الهدف هو تحويل المنطقة إلى قطع ممزقة تتسم بالضعف ، فتصبح إسرائيل هي الدولة الوحيدة الصلبة بجيش قوي في وسط بحر من الكيانات (التي لا ترتقي لوصف دول) المتناحرة ، و التي تطلب الحماية من عدوها التاريخي لتنجو من جارها القريب .
♦️ غزة.. التجربة والنموذج المطروح:
حيث تُختبر إنسانية العالم وتُنتهك القوانين.
فما يحدث في غزة اليوم هو النموذج العملي ألمُتبنى للعالم الجديد في منطقتنا ، و الذي يُراد لنا العيش فيه. يمكن القول بأنه نموذج ” اللامكان” بحيث يمكن مسح مدن كاملة من الخريطة ، و تحويل شعب حيّ إلى أرقام في قوائم ( موتى أو أحياء أو “موتى أحياء” في آن واحد.. لا يهم أبداً ) وسط صمت دولي مَقيت .
غزة ليست مجرد جغرافيا محاصرة ، بل هي البروفة الأخيرة ، و منها و على أساسها لا حصانة لأي عاصمة عربية أخرى .
و الرسالة الموجهة للعرب من تحت أنقاض غزة هي: جغرافيتكم مستباحة ، و قوانينكم الدولية حبر على ورق ، و الحدود هي ما ترسمه الدبابة ، لا المعاهدات.
♦️ الإنسان العربي.. الضحية المنسية:
يدفع الإنسان العربي ثمن صراع تحويل هذه المنطقة الشاسعة إلى أرض في حالة سيولة .
فحيث يتحدث المحللون عن ” الدولة الفاشلة ” و ” السيولة الجغرافية “، يغفلون عن ذلك ” الإنسان ” ساكن تلك الأرض ، و الذي يسكن حاضره و مستقبله داخل هذه المصطلحات.
ففي سوريا ، و ليبيا، و اليمن ، لم تسقط الأنظمة فحسب ، بل سقط ” البيت ” و تحول المواطن من صاحب حق أصيل في أرضه إلى نازح أو لاجئ ، ينتظر كرتونة إغاثة .
و هذا هو جوهر مشروع التفتيت : تحويل الشعوب العربية من كتل بشرية متلاحمة و متماسكة ( تجمع كلاً منها أرض تسمى الوطن ) ، إلى ” شتات من البشر” يبحث عن الأمان الشخصي قبل السيادة الوطنية .
تلك السيولة هي في الحقيقة فخ يهدف إلى جعل العربي يشعر بأن وطنه عبء ، يسعى للخلاص منه ، و الهروب أولوية للنجاة الفردية ، لا المواطنة .
♦️ طوق النجاة: ميثاق وحدة المصير فوق الخلافات
الحقيقة التي يجب أن تُقال بلسان عروبي فصيح هي أن الحريق الذي التهم بغداد ، دمشق ، صنعاء ، وطرابلس ، لم يفرق بين صاحب أيديولوجيا و أخرى ،و لا عرق و آخر .
و عليه.. فإن القادة والشعوب في باقي العواصم العربية ، و مهما تباينت الرؤى بينهم ، يجب أن يكونوا قد أدركوا يقيناً أن “الدولة الوطنية” هي خط الدفاع الأخير.
و أن سقوطاً جديداً لأي دولة إقليمية في فوضى التفتيت يعني أن قطار الفوضى سيصل إلى كل بيت. نحن أمام لحظة إما أن نكون فيها كتلة إقليمية تحمي جغرافيتها ، أو نتحول إلى أراضي من رماد ، تتقاذفها رياح مصالح و تفاهمات الدول الكبرى.
فهل هناك من مخرج؟
إن التاريخ لا يرحم الغافلين ، و الجغرافيا لا تعترف بالضعفاء، و القضية ليست “من سيحكم؟”، بل “هل سيبقى هناك وطن أصلاً ليُحكم؟”.
المطلوب اليوم ميثاق قومي جامع يتجاوز الحساسيات السياسية و الأيديولوجيات الضيقة ، يضع الوطن و قدسية جغرافيته فوق كل اعتبار .
علينا أن ندرك قبل فوات الأوان ، أننا إما أن نجلس معاً حول طاولة لإعادة صياغة أمننا المشترك ، أو سنوضع فرادى على مائدة التقطيع الدولية
. ففي النهاية النار التي تلتهم ستائر الجار لن تكتفي بحرق داره ، بل ستمتد لتحرق باقي الدور من حوله .

