الجالية اليمنية في القرن التاسع عشر ببريطانيا
بقلم : أحمد شوقي عفيفي
داعية إسلامي وكاتب بنغالي
حين يستعاد تاريخ الإسلام في الغرب، كثيرا ما تسلط الأضواء على العلماء والبعثات والمراكز الإسلامية التي ظهرت في القرن العشرين، غير أن صفحة مبكرة ومشرقة تسبق ذلك الزمن بكثير، خطتها جماعات بسيطة من رجال البحر اليمنيين الذين حملوا الإسلام معهم لا في الكتب والأسفار، بل في السلوك والملامح اليومية.
لقد جاءوا إلى بريطانيا عمالا في سفن البخار أو تجارا متواضعين، فإذا بهم يصبحون ـ من حيث لا يشعرون ـ أول نواة للوجود الإسلامي المستقر في الموانئ البريطانية، وأصدق سفراء هذا الدين إلى المجتمع الأوروبي الصناعي الناشئ.
منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر، ومع توسع التجارة بين عدن والمرافئ البريطانية عقب احتلال عدن سنة 1839م، انطلقت موجات من البحارة اليمنيين عبر خطوط الملاحة البريطانية. كانوا يخرجون من موانئ عدن والحديدة والمخا، ويمخرون عباب البحر نحو مدن جديدة وغريبة، مثل ليفربول وكارديف وساوث شيلدز، حيث استقر بعضهم وأقام فيها حياة امتزجت فيها صلابة البحر بروح الشرق.
بحارة يواجهون الموج، عمال فحم يلامسون النار، طباخون يعملون تحت ضغط البحر والجوع، وشاحنون يكدون في ميناء لا يهدأ. ومع ذلك، حملوا معهم جزءا من وطنهم القديم: لسانا عربيا، وقلوبا مؤمنة، وحرصا على دينهم يندر في ظروف الاغتراب القاسية.
تميز الوجود اليمني بخصائص جعلت أثره مختلفا عن غيره من الحضور الإسلامي العابر. وجود يميل إلى الاستقرار، فقد بقي كثير منهم في المدن الساحلية زمنا طويلا، بل أسسوا أحياء كاملة. وجود اجتماعي عائلي نشأ من خلال الزواج المختلط، مما جعل الإسلام يدخل البيوت البريطانية لا عبر الخطابة والمنابر، بل عبر الحياة اليومية. وجود محافظ رغم الفاقة والعمل القاسي، فالإيمان الذي حملوه من قراهم ظل مشتعلا في صدورهم. وبذلك كانوا أول من أخرج الإسلام من دائرة الغرابة، ليجعله ملموسا في الشوارع البريطانية وبين طبقات العمال.
لم يكن بين اليمنيين علماء كبار ولا دعاة محترفون، لكنهم حملوا الإسلام العملي الذي يتجلى في المواقف أكثر مما يتجلى في الكلمات. كانت جماعات صغيرة من اليمنيين تصلي على ظهر السفينة أو في زاوية متهالكة من الميناء.
يصومون رمضان وهم يكدون في أعمال مرهقة، ويمتنعون عن الخمر في بيئة تكاد تفيض بها الحانات. وقد أثار هذا الالتزام الديني الصامت إعجاب كثير من البريطانيين الذين رأوا فيهم صورة مختلفة عن الإنسان الشرقي الذي صورته الروايات القديمة.
سجلت الوثائق البريطانية شهادات تصفهم بأنهم هادئون، أمناء، لا يبحثون عن الخصومات. كانت هذه الأخلاق البسيطة خير تعريف بالإسلام، وأبلغ من أي خطاب مكتوب. فحيثما حل اليمنيون، تركوا أثرا من الطمأنينة والسمت الحسن.
مع مرور الزمن، نشأت علاقات إنسانية بين البحارة وسكان الموانئ، وتزوج عدد منهم من نساء بريطانيات. أسلمت بعض الزوجات، ونشأت أسر ذات جذور يمنية وبروح إسلامية، فصار للإسلام مكان داخل بيوت بريطانية متواضعة في مناطق الساحل. وهكذا بدأ تشكل جيل بريطاني مسلم من أصول يمنية قبل أن يعرف الإسلام رسميا في بريطانيا بسنوات طويلة.
في أواخر القرن التاسع عشر، بدأ اليمنيون يتحركون بخطوات صغيرة لكنها مؤثرة نحو تنظيم حضورهم الديني.
خصصوا غرفا ضيقة أو مستودعات مهجورة، جعلوها أماكن للوضوء والصلاة. كانت متواضعة البناء، لكنها عامرة بالخشوع.
تلك المصليات كانت البذرة التي نمت منها لاحقا المساجد البريطانية الكبرى. عندما بدأ المسلمون القادمون من الهند وشرق أفريقيا يتجمعون في المدن البريطانية، وجدوا في اليمنيين سندا وخبرة.
فبخبرة السنين ومعرفتهم بالمجتمع المحلي، ساعدوا في تأسيس الجمعيات الأولى، ودعموا بناء المساجد، ومدوا جسور الأخوة بين الجاليات المختلفة.
هكذا كان اليمنيون حجر الأساس لكل بناء إسلامي لاحق. ترك اليمنيون بصمتهم في الوجدان البريطاني من خلال
النموذج العملي، إسلام يرى في العمل لا في الجدل.
والأخلاق، صورة لدين يعلم الصدق والصبر والاحترام.
والاندماج الواعي، مشاركة المجتمع دون التفريط في العقيدة والهوية، والحضور العمالي، إرساء وجود إسلامي داخل الطبقات الشعبية، لا بين الأكاديميين فقط.
وقد أشار بعض الرحالة والإداريين البريطانيين إلى أبناء اليمن الذين نقلوا إلى بريطانيا أدب الشرق وهدوءه، وأسسوا جيوبا صغيرة من الروح الإسلامية وسط المدن الصناعية الصاخبة.
لم يأت اليمنيون إلى بريطانيا ليكونوا دعاة، ولم يحملوا معهم رسالة مكتوبة أو برنامجا حضاريا، لكنهم حملوا شيئا أعظم صورة حية للإسلام كما هو في بساطته الأولى.
فعرفوا البريطانيين بدينهم عبر الأمانة والخلق والالتزام اليومي. ومن بين الأكواخ البحرية والموانئ المكدودة، خرج أول حضور إسلامي مستقر في بريطانيا، لتبدأ رحلة طويلة انتهت بظهور المراكز والمساجد والجمعيات التي نعرفها اليوم.
وبذلك، فإن قراءة تاريخ الإسلام في بريطانيا تبقى ناقصة ما لم تتوقف عند هذه الجالية المتواضعة التي مهدت الطريق بصمت، وكتبت أول سطور الوجود الإسلامي على الأرض البريطانية.
ولم يكن القرن التاسع عشر مجرد حقبة زمنية عابرة في تاريخ العلاقة بين بريطانيا والإسلام، بل كان منعطفا ثقافيا ومعرفيا أعاد تشكيل نظرة العقل البريطاني إلى الشرق وديانته الكبرى. فمن بعد قرون طويلة كانت فيها صورة الإسلام أسيرة المرويات الجدلية والأساطير اللاهوتية، انفتح أمام الباحث البريطاني أفق جديد، مستندا إلى حراك فكري واسع، وامتداد إمبراطوري عميق، ونهضة معرفية جعلت الشرق مادة للدرس لا مجرد موضوع للتصور.
وفي هذا المناخ، بدأت تصاغ أولى الترجمات الرصينة للقرآن الكريم، وتتكشف صفحات الشريعة الإسلامية لمن أراد أن يدرسها بعيدا عن التهويمات، وتقرأ السيرة النبوية في ضوء التاريخ لا تحت ظلال الجدال، ويعاد فتح دفاتر الحضارة الإسلامية بعيون تبحث عن الفهم، لا عن الخصومة.
لقد كان ذلك الميلاد الهادئ بداية وعي جديد، ترك بصماته على الفكر البريطاني لعقود لاحقة.
دخل القرآن الكريم إلى الفضاء الثقافي البريطاني من أبواب شتى، غير أن القرن التاسع عشر شهد ميلادا نوعيا لتراجم جديدة طمحت، ولو ادعاء إلى النزاهة العلمية.
كانت ترجمة جورج سيل، على قدم عهدها، الركيزة التي ارتكز عليها الباحثون والمثقفون، إذ لم تزل تعاد طباعتها وتتردد خلاصاتها في قاعات الدرس ومنابر النقد. ومع منتصف القرن، حاول جون رودويل أن يعيد ترتيب سور القرآن وفق تصور زمني زعمه، فأثار جدلا دون أن ينقص ذلك من أثر عمله في تنبيه القارئ البريطاني إلى طبيعة الوحي وبيئة نزوله.
ثم جاءت ترجمة إدوارد بالمر لتضيف إلى المشهد لغة أكثر رهافة، ورؤية أقرب إلى الدرس اللغوي المحايد، فغدت دليلا لكثير من المستشرقين في أواخر القرن. لقد أدت هذه الترجمات على تفاوتها دورا محوريا في فتح نافذة واسعة أمام القارئ البريطاني، وأخرجت القرآن من دوائر الأسطورة إلى مسارات القراءة المباشرة، فكان لها ما بعدها من آثار فكرية وروحية. ومع اتساع رقعة النفوذ البريطاني في الشرق، وجد رجال الإدارة والقانون أنفسهم وجها لوجه أمام منظومة فقهية محكمة، لا يمكن التعامل معها إلا بفهم دقيق. فصدرت في هذا السياق مؤلفات كثيرة تعالج قوانين الأحوال الشخصية، وتبحث في مقاصد الشريعة وأبواب المعاملات، وتقارن بين القانون الإنجليزي والقانون المحمدي كما سمي آنذاك.
كان ويليام جونز في الهند واحدا من أبرز رواد هذا المسار، فقد غاص في بطون الفقه الحنفي، وترجم، وعلق، وأرسى مدرسة جديدة جعلت الشريعة الإسلامية جزءا من المنظومة القانونية التي أدارت شؤون الملايين من رعايا الإمبراطورية.
وبرغم ما اعتور بعض هذه الدراسات من رؤية استعمارية أو أحكام مسبقة، فإنها أسهمت في تعريف النخب البريطانية بمبادئ العدالة الإسلامية، وروح التشريع، وسمو منظومتها الأخلاقية.
لم يخل القرن التاسع عشر من جدل حول شخصية النبي ﷺ، غير أن ما يميزه هو ظهور دراسات حاولت بدرجات متفاوتة من الإنصاف أن تقرأ السيرة قراءة تاريخية، متحررة من ثقل الخطاب الكنسي القديم.
اعتمد الباحثون على الروايات الإسلامية، وعلى أعمال المستشرقين الألمان والفرنسيين، وأعادوا النظر في أحداث السيرة في سياقها الاجتماعي والسياسي. فبرزت كتابات تكشف عن دهشة تلقائية أمام شخصية النبي ﷺ بوصفه قائدا ومشرعا وبانيا لأمة، دون أن تخلو من آثار العقلانية الغربية في نقد النصوص وتمحيصها. وهكذا بدأت السيرة تنفتح في الوعي البريطاني لا بوصفها حكاية شرقية غامضة، بل كصفحة من صفحات التاريخ الإنساني الحافل بالتحولات العميقة.
شهد القرن التاسع عشر نهضة حقيقية في الدراسات المتعلقة بتاريخ الإسلام، خصوصا بعد تراكم المخطوطات الشرقية في مكتبات لندن وأكسفورد.
فأعاد المؤرخون قراءة الفتوحات الإسلامية، ونشأة الدولة، وامتداد الحضارة في الشام ومصر والأندلس. ولفتت الأندلس بمجدها العلمي والثقافي أنظار الباحثين الذين رأوا في تاريخها صلة وثيقة بنهضة أوروبا، فكان ذلك باعثا لكتابات مطولة عن أثر العلوم الإسلامية في الفلسفة والطب والفلك والرياضيات.
وقد أسهم هذا المسار في ترسيخ وعي جديد مفاده أن الحضارة الإسلامية ليست عارضا في التاريخ، بل ركن من أركانه الكبرى.
لقد كان القرن التاسع عشر في بريطانيا عصرا اكتشف فيه العقل البريطاني الإسلام من جديد اكتشفه كتابا منزلا عبر ترجمات جادة، واكتشفه شريعة ذات نظام محكم، واكتشفه سيرة زاخرة بالتجربة الإنسانية، واكتشفه تاريخا واسع الأفق، حيا في أثره، ممتدا في روح الحضارة الأوروبية ذاتها.
ومن ذلك الوعي المتنامي، تهيأت النفوس والأذهان لمرحلة لاحقة، ستشهد فيها بريطانيا أولى خطوات المسلمين في أرضها، وقيام أوائل المساجد والجماعات، ليبدأ فصل جديد من قصة الإسلام في الغرب.
المراجع:
1. عبد الله كويليام رائد الدعوة الإسلامية في بريطانيا – د. محسن محمد صالح
2. الدعوة الإسلامية في الغرب: رواد ومؤسسات – د. رفيق يونس المصري
3. الهجرة اليمنية إلى بريطانيا: قراءة اجتماعية تاريخية –
د. ناصر العليمي

