مع الصائمين
غزوة بدر الكبرى
الجزء الثالث عشر
جنود الرحمن في يوم الفرقان
بقلم/ محمود فوزي الموجي
( وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً )الفتح4
٥- نزول المطر لإعاقة الكافرين وتطهير المؤمنين
قال الله: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ)الشورى:٢٨ الله الذي ينزل المطر هيناً لطيفاً على منطقة، وينزله وابلاً شديداً على منطقة مجاورة قال الله: ( وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ) الأنفال:١١
٦ – تقليل عدد كل فريق من الجيشين في عين الآخر
جيش المسلمين في هذه الموقعة ثلاثمائة وأربعة عشر تقريباً، وجيش الكفار ألف، والله سبحانه وتعالى يريد للموقعة أن تتم، ولا يريد لأي فريق أن يقرر الهروب، أو عدم الدخول في صدام؛ لأن الله سبحانه وتعالى يدبرالمكيدة للكافرين(وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ )الأنفال:٣٠ ولكي يصمم كل فريق على القتال لابد أن يشعر أن الفريق الثاني ضعيف وقليل، ومن ثم يتجرأ عليهم ويقرر القتال، هذا كان قبل القتال.
ومع أن المخابرات المكية حصرت الجيش المسلم، وعرفت أن العدد الواقعي هو ثلاثمائة تقريباً، كما قال عمير بن وهب، إلا أن الله عز وجل قلل أعداد المسلمين جداً في نظر أبي جهل؛ حتى دفعه دفعاً للقتال، فقال أبو جهل: إنما هم أكلة جزور ، يعني: مائة فقط أو أقل؛ مما جعله يتحمس جداً لقتال المسلمين، ودفعه دفعاً للحرب.
والمسلمون أيضاً رأوا الكفار قلة، مع أن المخابرات الإسلامية حصرت الجيش الكافر، وعرفت أن عدده ما بين التسعمائة والألف كما قال صلى الله عليه وسلم، وذلك في أول القتال، ولكي يشجع رب العالمين سبحانه وتعالى المسلمين على القتال دون تردد؛ أراهم أن المشركين قلة، وهم في الأصل ألف، يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : لقد قللوا في أعيننا يوم بدر، حتى قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ يرى المسلم الكفار سبعين بدلاً من ألف، سبعين، يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: فقال لي -يعني: صاحبه- لا، بل مائة.
فسبحان الله! فالمسلمون يشاهدون الكفار مائة، والمسلمون يعرفون أنفسهم أنهم ثلاثمائة، وهذا شجعهم جداً على القتال.
قال تعالى (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذْ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً )الأنفال44
ثم بدأت المعركة، ولقد حدث للكفار تغير عجيب فقد دخل في روعهم أن المسلمين ضعف المشركين يعني: ألفين، ودخل في قلوبهم الرعب من المسلمين، وبالتالي انهزموا نفسياً ثم واقعياً، قال تعالى: ( قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ (آل عمران13 ذكر ذلك عبرة لأولي الأبصار. هذا جندي حقيقي من جنود الرحمن، التقليل والتكثير من الأعداد.
٧ – الصراع والفرقة بين الكافرين
هذه الفرقة جندي من جنود الرحمن، يرسله رب العالمين سبحانه وتعالى لإضعاف الصف الكافر، فقد رأينا انسلاخ الأخنس بن شريق بثلاثمائة من الكفار قبل موقعة بدر، أي: قبل أن يرى المسلمين أصلاً، ورأينا الصراع بين قادة المشركين وانقسام الصف، والتراشق بالألفاظ والاتهامات، ورأينا كل واحد يبحث عن مصلحة خاصة، وكل هذا في أرض القتال، في مكان لابد أن يكون فيه وحدة، وهذا الشيء يحصل دائماً في صف الكافرين إن وجد المسلمون الذين يستحقون النصر، لكن إن لم يكن المسلمون على هذه الصورة فإننا نجد أن الكفار يتوحدون، وتتفق آراؤهم، وتزداد قوتهم، والأمر في النهاية يعود إلينا نحن، فإن كنا على خير فرق الله عز وجل بين عدونا، وإن كنا غير ذلك جمع الله عز وجل عدونا، فتكون لهم الغلبة علينا؛ حتى نعود إلى ديننا وإلى ربنا سبحانه وتعالى.
يتبع……..
تحرير/ دعاء محمود

