الرئيسيةمواهب النايلالدُّكتور ناهق الرَّافس
مواهب النايل

الدُّكتور ناهق الرَّافس

الدُّكتور ناهق الرَّافس

قصَّة قصيرة ساخرة.

 

في طرفِ مدينةِ القامشلي كانَتْ هناكَ مزرعةٌ كبيرةٌ لرجلٍ يُدعى أبا طوني، وكانتِ المزرعةُ مليئةً بأشجارِ الفاكهةِ، والمزروعاتِ الصّيفيّةِ من ذُرةٍ، وخيارٍ، وبندورةٍ، وفليفلةٍ، بالإضافةِ إلى نباتِ الكمّونِ، والسّمسمِ الّذي تنتجهُ المدينةُ بِكثرةٍ.

 

وكانَ أبو طوني يضعُ في المزرعةِ خليّةَ نحلٍ، ويربّي دجاجًا، وكلبًا، وحمارَينِ.

 

أمَّا الحمارانِ، فهُما زوجانِ(ناهقٌ، وناهقةٌ)، وكانَتْ كلُّ حيواناتِ المزرعةِ مُسالمةً، إلَّا ناهقًا، فقدْ كانَ حمارًا مُتفذلكًا، لا يُعجِبهُ العجَبُ!

 

في أحدِ الصّباحاتِ سمعَ ناهقٌ مِن شُرفةِ منزلِ صاحبهِ أبي طوني خبرًا في المذياعِ، فراحَ ينهقُ

بصوتٍ عالٍ: هااااا..هااااا..هااااااا!

 

ذُهلتْ زوجتهُ ناهقةٌ، وقالتْ باندهاشٍ:

ناهق، ما بكَ يا عزيزي؟

ردَّ ناهقٌ بضحكةٍ مُجلجلةٍ:

لقد زادُوا الرّواتبَ يا ناهقة!

قالتْ ناهقةٌ وهيَ تهزُّ رأسَها:

وما شأنكَ أنتَ يا ناهق؟

لتكون موظّف ومالي خبر؟!

 

قالَ ناهقٌ باستنكارٍ كبيرٍ:

أعوذُ باللهِ يا حبيبتي، أنا أحمَدُ اللهَ بعدَ كلِّ رفسةٍ أرفسُها لبشريٍّ، أنْ خلَقني حمارًا، ولمْ يخلُقْني موظَّفًا!

 

قالتْ ناهقةٌ: إذنْ لمَ تنهقُ عندَ هذا الصَّباحِ؟

قالَ ناهقٌ شامتًا: لأنَّ “البَني آدمِين” سيأكلونَ كُمًّا مُرتَّبًا بعدَ قليلٍ يا ناهقتي!

 

فتحتْ ناهقةٌ عينَيها مندهشةً، وقالتْ:

ما هوَ هذا الكُمُّ الَّذي تقصدهُ؟

قالَ ناهقٌ: ستزدادُ أسعارُ كلِّ شيءٍ، يا سلام، يا سلام!

 

قالتْ ناهقةٌ: صحيح، صحيح يا زوجي، هكذا يحدثُ في كلِّ مرَّةٍ، وسينزعجُ النَّاسُ.

قالَ ناهقٌ مبتسمًا: يستأهلون، يستأهلون، أنا شامتٌ، ومكثِّرٌ أيضًا!

 

وبينَما هُما يتحادثانِ، أتى أبو طوني غاضبًا مكفهِرَّ الوجهِ، صاحَ بكلبِهِ (جو)حينَ هجمَ نحوَهُ:

حل عنّي جو، نهاري مبيِّن مِن صباحو!

حينَ رآهُ الحمارانِ منزعجًا، وقفَا دونَ حِراكٍ، أو صوتٍ.

 

أمَّا هوَ، فاقتربَ منهُما، ووضعَ لهُما العلفَ، ثُمَّ مضى، وهوَ يشتمُ بلهجتهِ القامشلاويَّة:

إيش هالحالة، إيش هالعيشة، ياعدرا قُربانكِي، يلعن أبو….

 

ثُمَّ حلَّتِ الظُّهيرةُ، بينما كانَ ناهقٌ في قيلولةٍ قربَ ناهقةٍ، سمعَ صوتَ امرأةٍ قبيحةٍ لمحَ صورتَها من شاشةِ موبايلِ شابٍّ اتَّكأَ على جذعِ شجرةٍ قريبةٍ، وهوَ يأكلُ البوظةَ.

 

كانتِ المأفونةُ تتكلَّمُ بعربيَّةٍ يشوبُها الكثيرُ منَ الفرنسيَّةِ، وتحدَّثَتْ بالسُّوءِ عنِ السُّوريِّينَ، ووصفَتهُم بِالمُتخلِّفينَ، وَبِأنَّهُم لا يعرفونَ “الهوت شوكليت”!

 

غضبَ ناهقٌ، وكادَ يقطعُ حبلَهُ مِن شدِّةِ نهيقِهِ:

قالتْ زوجتُهُ: عجبًا، عجبًا ما بكَ؟

قالَ ناهقٌ:

أغضَبَتني هذهِ اللعينةُ الَّتي تدَّعي أنَّها إعلاميَّةٌ، قبَّحها اللهُ ذاتُ الفمِ الأعوجِ، والخِلقةِ المُشوَّهةِ من كثرةِ النَّفخِ، والشَّدِّ!

آهٍ لو يُتاحُ ليَ الهربُ، أرغبُ في قطعِ حَبلي، ورفسِها، ينبغي أنْ أدافعَ عنْ عُروبتي، آهٍ

يا ناهقة ينبغي أنْ أردَّ عليها!

 

ردَّتْ ناهقةٌ بِسخريةٍ:

معك حقٌّ يا زوجي، وهلِ الَّذينَ ردُّوا عليها- وأوجعوا رأسَنا بِشعاراتِ حبِّ الوطنِ- أحسنَ منك!؟

نهقَ ناهقٌ بصوتٍ مزعجٍ، فغضبَ الشَّابُّ، ومضى وهوَ يرفعُ سروالَهُ ذا الخصرِ الواطئِ.

 

عندَ المغربِ كانَ أبو طوني يقومُ بالكشفِ على خليَّةِ النَّحلِ، فالتزمَ ناهقٌ الهدوءَ خوفًا من صاحبِهِ الَّذي لا يرحمهُ إنْ أصدرَ أصواتًا مزعجةً.

 

أخيرًا أنهى أبو طوني عملَهُ، وسارَ بطيءَ الخُطا بسببِ ثّيابِ النَّحلِ البيضاءِ الَّتي كانَ يرتديها، فيبدو منظرُهُ مضحكًا، وكأنَّهُ رائدُ فضاءٍ.

 

تنفَّسَ ناهقٌ الصُّعداءَ، وكذلكَ ناهقةٌ، وما لبثتْ أنْ قالتْ:

لماذا يُتعبُ نفسَهُ كلَّ هذا التَّعبِ، ويعرِّضُ نفسَهُ لِلدْغِ النَّحلِ، إنَّهُ أحمقُ!

قالَ ناهقٌ:

اسكتي اسكتي، شو بيفهمك بالعسل، أممممممم!

ردَّتْ ناهقةٌ باستنكارٍ: دخيل فهمك بكل شي!

قالَ ناهقٌ: يا غشيمة العسل غالي، سيبيعهُ صاحبنا ويربح (بلاوي)!

 

وفجأةً، أتى صاحبُهُ مُستعجلًا، فكَّ حبلَهُ، وقالَ لهُ: هش، ولك كر!

حزِنَ ناهقٌ، ولمْ يكنْ أمامَهُ سوى القبولِ، والسَّيرِ كما يريدُ صاحبَهُ، وبعدَ نصفِ ساعةٍ، وصلا

مزرعةً أخرى لأبي روني شقيقِ أبي طوني، وكانَ عليهِ أنْ يعتُلَ العديدَ منْ شوالاتِ القمحِ

الموجودةِ في سيِّارةِ سوزوكي صغيرةٍ واقفةٌ أمامَ بابِ المزرعة، ويمشي بها إلى آخرِ المزرعةِ

ليُنزلوها عن ظهرِهِ، وهم يدخِّنونَ، وبينَ الفينةِ، والفينةِ يشربونَ العصيرِ المُثلَّجَ.

 

وضعَ أبو طوني ثلاثَ شوالاتٍ من القمحِ على ظهرِ ناهقٍ، وقالَ لهُ: هشْ!

مشى ناهقٌ ببطءٍ شديدٍ، فجاءتهُ لسعةُ سَوطٍ على قفاهُ، فأسرعَ في مشيِهِ وهو يُتمتمُ:

بس عليّي بتصيروا عناتر!

انتو بتتزهرموا عصير بارد، وأنا ريقي ناشف من العطش!

 

مرَّتْ ساعتانِ على هذي الحالُ، أخيرًا أنهى ناهقٌ عملَهُ، وجلسَ صاحبُهُ مع أخيهِ على طاولةٍ

صغيرةٍ عليها بعضُ الفاكهةِ، والموالحِ، والكولا.

فيما رُبطَ ناهقٌ على جذعِ شجرةِ مشمشٍ قُربَ بركةِ ماءٍ صغيرةٍ، فتذكَّرَ عطشَهُ، ونهقَ عاليًا.

 

هرولَ أبو طوني ضاربًا إيَّاهُ بالسَّوطِ، فازدادَ نهيقًا، عندَها قالَ أبو روني:

يمكن عطشان الكر!

قالَ أبو طوني: سمّ الهاري!

وضعَ أمامَهُ سطلَ ماءٍ، وعاودَ جلوسَهُ مستمتعًا بصوتِ مطربةٍ صاعدةٍ كالصَّاروخِ!

 

همسَ ناهقٌ لنفسِهِ، وهوَ يشربُ:

العمى يضرب جوز عيونك، لتكون دافع حق المي من جيبة الخلفَكْ!

 

وبينما هُما يتحادثانِ مرَّتِ امرأةٌ ناهدٌ رشيقةً شبهَ لابسةٍ ثيابًا، حملقَ الرَّجلانِ كعديمي نسوةٍ، وقالَ أبو روني:

يا يسوع إيش هالأمورة هي، يا هيك النّسوان يا بلا!

ضحكَ أبو طوني، وقال:

العمى هي ولَّا الّي عندي بالبيت، الله وكيلك بعد أوَّل ولد صارت متل الغوريلَّا!

ردَّ أبو روني:

وأنا بعد أوَّل بنت صارت متل التّريلَّا!

 

قهقهَ الرَّجلانِ، فيما اشمأزَّ ناهقٌ، وقالَ:

بعمري ما شفت حمار حكى على مرتو، قال بني آدمين قال!

 

أفرغَ أبو طوني كأسَ الكولا في جوفهِ، ونهضَ نحوَ ناهقٍ الَّذي استلقى مُتعبًا تحتَ فيءِ الشَّجرةِ، وعلى ما يبدو أنَّهُ غفا، فرفسَهُ صاحبُهُ بحذائهِ ذي البوزِ الَّذي يُشبهُ بوزَ الفنَّاناتِ اللواتي يأخذنَ سيلفي، فنهضَ ناهقٌ مرتعبًا، فأمسكَ أبو طوني سطلَ الماءِ، ورشقَ عليهِ ما تبقَّى فيهِ قائلًا:

قال يعني نمت من التَّعب، دي قوم يالله، إيش هالحركات، موعلَيْ أنا أبو طوني!

 

قهقهَ أبو روني قائلًا:

ومو تِعرِفْ يمكنْ يكون عم يحلم بشي حمارة غنّوجة، إيش هالحمير هاي يا زلمي!

نهضَ ناهقٌ وهوَ يهمسَ:

مفكريني بني آدم متلكن!

 

سارَ الاثنانِ في طريقِ العودةِ، وبعدَ عشرِ دقائقَ رأى أبو طوني رجلًا بثيابٍ أنيقةٍ، فحيَّاهُ قائلًا:

أهلًا دكتور نابغ!

ردَّ نابغٌ السَّلامَ بتكبُّرٍ، واستعلاءٍ، ومضى.

 

وبينما سارَ أبو طوني، وناهقٌ كانَ هناكَ رجلٌ يقفُ قربَ سيَّارتهِ الفخمةِ أمامَ منزلهِ، حيَّاهُ أيضًا أبو طوني، فردَّ الرَّجلُ بلطفٍ، وسألِ أبا طوني:

باللهِ عليكَ، هذا الدُّكتورُ، ما اختصاصُهُ، الجميعُ ينادونهُ “بالدُّكتور” مُذْ أتى إلى الحارةِ، ولا أعلمُ

شيئًا عنهُ؟

 

ردَّ أبو طوني ضاحكًا: هوَ ليسَ طبيبًا!

قالَ الرَّجلُ: آ، هوَ أستاذٌ جامعيٌّ “مُعتَّر” على ما يبدو، فليسَ لديهِ سيَّارةٌ، لعلَّهُ لا يأخذُ ثمنَ

فنجانِ قهوةٍ كي يُنجِّحَ الطُّلَّابَ!

 

قالَ أبو طوني مُقهقِهًا:

لا، لا راح مخَّكْ لبعيد!

الرَّجل معهُ دكتوراه من عدَّةِ مجموعاتٍ فيسبوكيَّةٍ، ومنتدياتٍ فكريَّة، وجهاتٍ مرموقة!

 

ذُهِلَ الرَّجلُ وجحظتْ عيناهُ، وقبلَ أنْ يقولَ شيئًا قالَ أبو طوني:

يقولونَ إنَّهُ يكتبُ شيئًا يسمَّى بايكو، مايكو، لا يا ربّي أنا متخلِّف اسمهُ (هايكو)!

وعلى إثرِ مُشاركاتِهِ بتلكَ المجموعاتِ كلَّ يومٍ يُمنحُ شهادةَ دكتوراه مختلفة!

وربَّما إذا أرادَ أنْ يكتبَ اسمَهُ، يضعُ قبلَهُ عشرينَ أو خمسينَ دالًا!

 

قالَ الرَّجلُ: عرفتُها، عرفتُها تلكَ المعجَّقةُ بالألوانِ، والرُّموزِ، والأختامِ، والتَّواقيعِ!

قالَ أبو طوني: نعمْ، نعمْ!

 

عندَها ازدادَ غضبُ ناهقٍ، وقالَ لنفسِهِ:

احتملتُ الإهاناتِ، والضَّربَ، والشَّتمَ على الطَّالعة والنَّازلة…

تحمَّلتُ الحرَّ، والعطشَ، والأثقالَ الكبيرةَ على ظهري، والتَّقليلَ مِنْ شأني، لكنْ لا يُمكنُ

أنْ أحتملَ رؤيةَ معتوهٍ يصيرُ دكتورًا “بشقفةِ “كرتونةٍ ملوَّنةٍ كمكياجِ الرَّاقصاتِ!

 

وشدَّ ناهقٌ الحبلَ من يدِ صاحبِهِ بكُلِّ ما أوتيَ من قوَّةٍ، وفرَّ راكضًا وهو ينهقُ مُستنكرًا، فيما صاحبُهُ مذهولٌ يُهرولُ علَّهُ يلحقُ بهِ، لكنَّ ناهقًا جرى بأقصى سُرعةٍ، وهوَ يقولُ:

 

لنْ أتأخَّرَ عليكِ يا ناهقة، سأجمعُ مئةَ شهادةِ دكتوراه، وأعودُ إليكِ، لنْ أعودَ إلَّا وأنا:

(الدُّكتور ناهق الرَّافس)!

 

ومنْ يومِها يا أولاد الحلال، ثارتِ الحميرُ كلُّها، وما تزالُ تجري بلُهاثٍ محمومٍ، لتنالَ شهادةَ الدُّكتوراه الفخريَّة بِألوانِها الفظيعة، وأختامِها البديعة!

 

ميَّادة مهنَّا سليمان

تُنشر للمرَّة الاولى، وهيَ من قصص عام ٢٠٢٣

لها جزءٌ ثانٍ أكثر كوميديَّةً، لأنّه عن ناهقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *