الرئيسيةمقالاتالجالية الإسلامية في بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية
مقالات

الجالية الإسلامية في بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية

الجالية الإسلامية في بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية

بقلم : أحمد شوقي عفيفي

داعية إسلامي وكاتب بنغالي

 

لم تكن مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية مجرد فصل عابر في سجل إعادة إعمار المدن الأوروبية المدمرة، بل كانت منعطفا تاريخيا عميقا أعاد تشكيل المجتمعات من جذورها، وفتح الأبواب لتحولات إنسانية وثقافية بعيدة الأثر. وفي قلب هذا التحول، برزت بريطانيا بوصفها مسرحا لولادة تجربة استثنائية، تجسدت في تشكل الجالية الإسلامية الحديثة، تجربة لم تولد من رحم التنظير الفكري ولا من صلب مشروع حضاري معد سلفا، بل انبثقت من الحاجة، وتغذت بالصبر، ونمت في صمت، بعيدا عن ضجيج الأضواء.

يسعى هذا المقال إلى استعادة قصة الجالية الإسلامية في بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية، لا بوصفها سردا تاريخيا جافا، بل باعتبارها حكاية إنسانية نابضة بالحياة، تتقاطع فيها الغربة مع الكدح، ويتداخل فيها الدين مع سؤال الهوية، ويختبر فيها الاندماج دون التفريط في الخصوصية. وهو يتتبع المسار الذي سلكه المهاجرون المسلمون الأوائل، منذ وطأت أقدامهم أرضا منهكة تبحث عن سواعد تعيد إليها نبضها، إلى أن تحولوا، مع تعاقب السنين، إلى مكون أصيل في نسيج المجتمع البريطاني. إنها قراءة في ميلاد بطيء لجالية صاغت وجودها بعرق الجبين، ورسخته بالإيمان، وأسهمت، بصبرها وثباتها، في كتابة فصل جديد من تاريخ الإسلام في الغرب المعاصر.

كانت بريطانيا، عند انقضاء الحرب العالمية الثانية، أشبه بجسد ضخم أنهكته المعارك، فغدت الأطراف فيه مترنحة، والروح خافتة تبحث عن قبس يعيد إليها حيويتها القديمة. فقد رحلت مدافع الحرب، لكن دخانها بقي معلقا في الأفق، لا يغادر وجدان المدن ولا شوارعها التي لفحتها النيران.

كانت بريطانيا، بكل عظمتها الإمبراطورية، تقف أمام مرآة التاريخ لتكتشف أنها فقدت الكثير، شبابها، وعمرانها، وقوتها الاقتصادية، وثقتها التي كانت يوما لا تهز. في ذلك الفراغ الموحش، وفي تلك اللحظة التي بدا فيها المستقبل ضبابا، بدأ القدر يكتب فصلا جديدا. فصل لم تكتبه القرارات الرسمية وحدها، بل كتبه البشر، الذين حملوا معهم من أطراف الشرق رائحة الشاي والبهارات، وصوت الأذان القديم، وإيقاعا حضاريا مختلفا سيخالط شوارع لندن ومانشستر وبرمنغهام، ويغير كثيرا من ملامحها. كان ذلك الميلاد الأول للجالية الإسلامية الحديثة فوق التراب البريطاني.

كانت المصانع تحترق، والطرقات محطمة، والعمالة المحلية قليلة بعد أن التهمت الحرب رجالها.

وفي ظل هذا العجز، مدت بريطانيا يدها إلى ما وراء البحار، نحو أبنائها القدامى في الكومنولث، فأرسلت إليهم دعوة غير مكتوبة تعالوا، إن البلاد بحاجة إلى سواعدكم. لبى الكثيرون النداء، لا بدافع الحنين، بل بدافع الضرورة، فجاءوا من شبه القارة الهندية، من باكستان وسيلهيت البنغلاديشية وغوجرات الهندية، ومن اليمن وشرق إفريقيا. جاءوا يحملون حقائب قماشية، وكثيرا من الأمل، وقليلا من المعرفة بلندن التي كانوا يظنونها مدينة الحلم المطلق. كانت السفن التي تقلهم لا تشبه سفن السياح، بل قوارب تعب تحمل رجالا بسطاء، لهم وجوه الشمس، ورائحة الأرض الرطبة بعد المطر. ولم يكن أحد منهم يتخيل أن هذه الرحلات ستكون الشرارة التي ستولد منها واحدة من أكبر الجاليات الإسلامية في الغرب.

 

استقبلت المدن العمالية هؤلاء الغرباء الجدد، لا بالاحتفال، بل بالدهشة. كانت أحياء الفحم والرطوبة تنتظرهم، بيوت متلاصقة من الطوب الداكن، نوافذ صغيرة تعكس شح الضوء، وأزقة تضج بدخان المصانع. هناك، في برادفورد وبرمنغهام وليستر، عاش المسلمون الأوائل حياة لا تشبه حياتهم التي تركوها خلف البحار. غرف ضيقة ينام فيها خمسة أو ستة أشخاص. عمل مرهق يمتد لساعات طويلة تحت هدير الآلات.

غربة لغوية، لا يخففها إلا صوت صديق يتحدث البنغالية أو البنجابية. ومع ذلك، كانوا يتحملون كل شيء من أجل تلك الرسائل التي كانوا يرسلونها شهريا إلى أهاليهم، رسائل فيها المال، وفيها رائحة الطمأنينة التي كانوا يصطنعونها كذبا، كي لا يقلق من ينتظرونهم في القرى البعيدة.

 

لم يكن في بريطانيا آنذاك مساجد عامرة، ولا مآذن تعانق السماء. كان الدين يحفظ كما تحفظ النار في اليد، خوفا من أن تنطفئ إن تركت، وخوفا من أن ترى في مجتمع لا يعرف عنها شيئا. اجتمع المسلمون للصلاة في غرف مستأجرة فوق المحلات الشرقية وأقبية رطبة تحت مساكن العمال، ومستودعات مهجورة يعلوها الغبار. كانت مصليات صغيرة، لا تتزين إلا بسجادة بسيطة، وصوت إمام متقطع الأنفاس. لكن تلك الأماكن المتواضعة كانت بمثابة الرحم الأول الذي حمل الجالية الإسلامية، وفيه تجمعت الأرواح لتتساند. ومن بين جدران تلك الغرف، ولد حلم كبير أن يكون للمسلمين في بريطانيا مكان يليق بهم وبصلاتهم. في مطلع الستينيات، بدأت الحقيقة تتكشف. لم يكن المهاجرون قادرين على العودة كما كانوا يظنون، فقد أصبحت بريطانيا ملاذا اقتصاديا لا يضاهى، بينما كانت أوطانهم تموج بالفقر والاضطرابات السياسية.

فاستقدموا زوجاتهم، وأرسلوا في طلب أطفالهم، وارتفعت الضحكات في تلك الأحياء الصامتة.

تحول البيت من مجرد سكن للعمال، إلى بيت فيه رائحة الكاري، وصوت القرآن في الفجر، وصخب أطفال يركضون إلى مدارس بريطانية لأول مرة. وهكذا تحولت الهجرة من رحلة قصيرة إلى إقامة طويلة. ومن إقامة طويلة إلى جالية متجذرة.

كان تأسيس المسجد المركزي في لندن بجلالته وقبته الهادئة إعلانا واضحا أن الإسلام لم يعد ضيفا عابرا، بل مقيما دائما.

تبعت ذلك مساجد في برمنغهام وبرادفورد وليستر، مساجد لم تبن من الطوب فقط، بل من دموع المغتربين وعرقهم وصدقاتهم. كانت المآذن ترتفع خجولة أول الأمر، ثم ثابتة، ثم واثقة، كمن يستعيد حقا كان غائبا.

وبعدها أصبحت المراكز الإسلامية منارات تعليم وإرشاد، والجمعيات الخيرية ظهيرة للفقراء والمرضى، وحلقات القرآن ملجأ للأطفال الذين أراد آباؤهم أن يحملوا هويتين بريطانية وإسلامية.

لم يكن الطريق مفروشا بالمحبة. وكانت هناك نظرات الريبة، ونفوس تحاصرها العنصرية، وصحف تثير المخاوف، وسياسات تضيق على الأقليات. عانى المسلمون من تمييز في العمل، وصعوبات في التعليم، وإهانات في الشارع، وتحديات الهوية لأولادهم بين ثقافتين لا تلتقيان دائما. ومع ذلك، صبروا.

فالصبر هو اللغة التي جاءوا بها من الشرق، وحملوها معهم في سفن الشحن. وبالصبر وحده استطاعوا أن يحولوا الضغوط إلى فرص، والضعف إلى قوة.

 

وبعد عقود من العمل والكفاح، تغيرت الصورة. أصبح للمسلمين حضور في الجامعات والمستشفيات والشركات الكبرى والإعلام والبرلمان البريطاني نفسه لم يعودوا غرباء، بل أصبحوا جزءا من ملامح المدن. صار المؤذن يرفع الأذان في لندن كما يرفع في كراتشي وداكا. صار الطفل المسلم يدرس في أفضل الجامعات، والأم المسلمة تفتح متجرا ناجحا، والطبيب المسلم يعالج آلاف المرضى كل عام. لقد أصبح الإسلام جزءا من القصة البريطانية، وليس صفحة هامشية فيها.

لم يكن الميلاد الحقيقي للجالية الإسلامية في بريطانيا حدثا فجائيا، بل كان ولادة بطيئة، مؤلمة، تسيل فيها عرق السواعد، ودموع الغربة، وتنمو فيها الأحلام بهدوء.

كان ميلادا خرج من أقبية مظلمة إلى مساجد مضيئة، ومن غرف العمال إلى بيوت مستقرة، ومن الهامش إلى صلب المجتمع. إنه ميلاد كتبه ملايين الأقدام التي عبرت البحار، وملايين الساعات من العمل، وآلاف القلوب التي حافظت على نور الإسلام في بلادٍ لم تكن تعرفه. وهكذا، بعد الحرب العالمية الثانية، لم تولد جالية فقط، بل ولدت صفحة جديدة في تاريخ الإسلام في الغرب، صفحة ما زالت تكتب حتى اليوم.

 

إن تجربة الجالية الإسلامية في بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية تنكشف بوصفها حكاية إنسانية عميقة الجذور، لم تكتب بلغة القوة ولا صيغت بمنطق الامتياز، بل نسجت بخيوط الصبر، وسقيت بعرق الكادحين، وتحصنت بالتشبث الهادئ بالهوية. فقد قدم المسلمون إلى أرض أنهكتها الحرب، فشاركوا في بعثها من تحت الركام، وبنوا لأنفسهم فيها حضورا متدرجا، بدأ خافتا على هامش المجتمع، ثم ما لبث أن ترسخ، حتى غدا جزءا لا ينفصل عن ملامح المشهد البريطاني العام. ولم تكن رحلتهم مفروشة باليسر، بل حفلت بالمعاناة والتمييز وأسئلة الانتماء القلقة، غير أنهم، عبر عقود من المثابرة، استطاعوا أن يحولوا الغربة إلى وطن، والاختلاف إلى قيمة مضافة.

واليوم، لم يعد الإسلام في بريطانيا حضورا صامتا أو عابرا، بل أصبح مكونا فاعلا في نسيج المجتمع، يسهم في صناعة مستقبله كما أسهم من قبل في إعادة بنائه. إن هذه التجربة، بما تحمله من دروس في الصمود والتعايش الخلاق، تؤكد أن الجاليات لا تخلق بقرار عابر، بل تنمو بتراكم الجهود، وتصان بحفظ القيم، وتترسخ بالقدرة على التفاعل الإيجابي مع الواقع دون التفريط في الذات. وهكذا تظل الجالية الإسلامية في بريطانيا شاهدا حيا على ميلاد تاريخ جديد للإسلام في الغرب، تاريخ لم يطو بعد، بل ما زال يكتب فصلا بعد فصل، بأيدي أجيال تحمل ذاكرة الآباء، وطموح الأبناء، وأفق المستقبل.

المراجع:

1. المسلمون في بريطانيا – صوفي غيليات راي

2. مسلمو بريطانيا – هميون أنصاري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *