الرئيسيةمنوعاتالمسلمون في بريطانيا في القرنين السابع عشر والثامن عشر
منوعات

المسلمون في بريطانيا في القرنين السابع عشر والثامن عشر

المسلمون في بريطانيا في القرنين السابع عشر والثامن عشر
بقلم: أحمد شوقي عفيفي
داعية إسلامي وكاتب بنغالي

كان القرنان السابع عشر والثامن عشر كمرحلتين من الشفق، لا هما ليل خالص ولا نهار صريح، بل منطقة بين بين، تتشابك فيها الظلال وتتكشف فيها الملامح الأولى لعالم جديد. وفي تلك المنطقة الرمادية، بدأت بريطانيا تلتفت بوجهها نحو الشرق، لا مدفوعة بالمغامرة وحدها، بل بمزيج من السياسة والمصلحة والفضول، ورغبة دفينة في قراءة العالم الذي أخذ يفرض حضوره على مسرح التاريخ. لم يعد الوجود الإسلامي مجرد عابر سبيل أو صوت بعيد تلتقطه الأسماع صدفة، بل صار نفسا ضعيفا لكنه متواصل، وبذرة صغيرة بدأت تجد موضعها في تربة كانت حتى ذلك الحين باردة وثقيلة.
مع اتساع تجارة شركة الهند الشرقية، واحتدام حركة البحر، وتقدم رحلات الاستكشاف، انفتحت بريطانيا على الشرق كما تنفتح نافذة على رائحة لم تعهدها من قبل. كانت آلاف الأرواح البريطانية تشق طريقها إلى الهند واليمن وبلاد العرب. وهناك، حيث سطوع الشمس الشرقية، تغير كثير منهم تعلموا لغات، وخبروا تقاليد، ورافقوا المسلمين في سفر وإقامة، فعادوا إلى وطنهم يحملون آثارا من ذلك العالم الواسع. وفي الاتجاه المعاكس، جاءت بريطانيا وجوه من الشرق بحارة، مترجمون، خدم، ورجال عمل ساحلي. كانوا يدخلون المرافئ بملابسهم الشرقية ولهجاتهم العذبة، فيتبدل وجه المدينة قليلا كلما رست سفينة.

لم يكن عدد هؤلاء كبيرا، لكن قدمهم لم تنقطع عن الشواطئ البريطانية. كانوا أوائل المسلمين الذين شكلوا حضورا دائما في الموانئ والسفن، ولو في الظلال. البحارة اللافزيون المسلمون الذين نسجوا وجودهم بخيوط العرق والبحر، وظهر مصطلح لسكرس في القرن السابع عشر، ليصف البحارة المسلمين القادمين من سواحل الهند واليمن والعالم العربي. كانوا ذراع شركة الهند الشرقية التي لا تستغني عنها، وسواعدها التي تشق البحر.
عمل هؤلاء البحارة في ظروف قاسية، تحت برد الشمال وملح البحر، يسافرون شهورا دون أن يلامسوا الأرض. وعندما ترسو السفن في لندن أو بورتسموث أو ليفربول، كانوا يخرجون إلى المدينة، يمشون في أسواقها بثياب الشرق، فينظر إليهم المارة باستغراب ودهشة. وكان هذا المشهد أول احتكاك حقيقي بين البريطانيين والإنسان المسلم، لا الرحالة ولا السياسي، بل الرجل العادي الذي يحمل وطنه في صوته وملامحه.
بعض هؤلاء البحارة آثر البقاء، إما لعجزه عن العودة أو لاختياره الاستقرار. سكنوا الأزقة القريبة من الموانئ، وتشاركوا الطعام وغرف النوم والصلوات الخافتة التي كانوا يؤدونها في غرف ضيقة. وهكذا تكونت أول خيوط جالية مسلمة فقيرة، لكنها صلبة، تنسج وجودها بعيدا عن الأضواء.
مع تمدد النفوذ البريطاني في الشرق، بدأت وفود رسمية من المسلمين تزور لندن مبعوثون من سلاطين الهند، ومن أمراء اليمن، ومن ممالك المغرب العربي. ودخل هؤلاء السفراء لندن بعمائمهم اللامعة وعباءاتهم المطرزة، فكان حضورهم مفاجئا للعين البريطانية. الصحف كتبت عن ضيوف من أتباع محمد يزورون البلاط الملكي، وعن هدايا شرقية تزين قصور النبلاء.
جلبت هذه الوفود معها مخطوطات عربية، وكتبا، ورواة يتحدثون عن حضارة تنازع أوروبا في العمق والاتساع. فكان لهذه الزيارات صدى ثقافي لا يقل أهمية عن أثرها السياسي.
لم يكن الإسلام وافدا فقط، فقد عاد بعض البريطانيين من الشرق وهم يحملون دينا جديدا في قلوبهم.

الجنود، والتجار، والكتاب، والمغامرون الذين عاشوا في مدن العرب أو الهند، عادوا إلى بريطانيا وقصص الإسلام تضيء وجوههم. وبعضهم أسلم جهارا، وبعضهم كتم إسلامه خشية المجتمع والكنيسة، لكن بذرة الإيمان كانت قد زرعت. ولم يكن عدد هؤلاء كبيرا، لكنهم غيروا نظرة كثير من البريطانيين إلى الإسلام، قدموا عنه صورة الإنسان، لا صورة الخصومة التاريخية. قبل أن يسمع الأذان في أي مدينة بريطانية، وجد الإسلام في صفحات الكتب وبين رفوف المكتبات.

انتشرت ترجمات للقرآن، بعضها رديء وبعضها منصف، لكنها كانت كافية لأن تفتح أعين المفكرين على أسئلة جديدة عن هذا الدين. ظهر في الجامعات البريطانية رجال كرسوا حياتهم لفهم العربية والإسلام، أمثال جورج سيل وإدوارد بوكوك ومن بعدهم توماس كارلايل الذي رأى في الإسلام روحا أخلاقية عظيمة، وهكذا تحول الإسلام إلى موضوع للنقاش، والبحث، والدراسة، لا مجرد دين بعيد.
لم يكن القرنان السابع عشر والثامن عشر عصر توسع إسلامي ظاهر، لكنهما كانا العصر الذي نضجت فيه الأرض، واكتملت فيه ملامح البذرة الأولى. في هذين القرنين، دخل الإسلام بريطانيا عبر البحر والتجارة والسفراء والكتب والقلوب التي تبدلت في أسفارها كانت تلك المرحلة المهاد الذي سيبنى عليه الوجود الإسلامي اللاحق، مرحلة انتقلت فيها بريطانيا من سماع صدى الإسلام إلى رؤيته ماثلا أمامها، وإن كان خافتا.
لقد انتهى زمن الظلال، وبدأ زمن العلامات الواضحة، استعدادا للقرن التاسع عشر الذي سيشهد أول جالية، وأول مسجد، وأول خطوة في بناء الهوية الإسلامية داخل بريطانيا.

المراجع:
1. الإسلام والمسلمون في بريطانيا – محمد إبراهيم الجيوشي.
2. الإسلام والمسلمون في بريطانيا – إعجاز مختار بن إسحاق بن ركن الدين بن قطب الدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *