بقلم الكاتبة : أسماء لواحيدي
ماكرون يتحدث عن سبتة، فمن يتحدث عن فرنسا؟
في 29 و30 سبتمبر، كان إيمانويل ماكرون ، في إسبانيا في زيارة دولة حملت ملفات اقتصادية واستراتيجية وأوروبية متعددة،
والتقى خلالها الملك فيليبي السادس ورئيس الحكومة بيدرو سانشيز.
وفي قلب الزيارة حضرت سبتة، المدينة التي يعتبرها المغرب جزءاً من ترابه الوطني ويصف وجود إسبانيا فيها بالاحتلال، بينما تضعها إسبانيا ضمن أراضيها.
تحدث ماكرون عن أحداث سبتة،
وعن التضامن مع إسبانيا، وعن المسؤولية الأوروبية في مواجهة تدفقات المهاجرين وحماية الحدود.
أزمة شهدت وصول عشرات الآلاف من المهاجرين إلى المدينة
وجاء حديثه في سياق أزمة شهدت وصول عشرات الآلاف من المهاجرين إلى المدينة خلال يوليو، وسقوط قتلى في تلك الأحداث.
كان الرئيس الفرنسي يتحدث في مدريد عن قضية تقع خارج الحدود الفرنسية.
وفي التوقيت نفسه تقريباً، كانت فرنسا تعيش تصعيداً داخلياً شديداً.
امتدت احتجاجات طلاب الثانويات إلى أنحاء البلاد، وأغلقت نحو 400 ثانوية، بحسب رويترز، وسط احتجاجات على ، ظروف الدراسة ونقص العاملين واكتظاظ الأقسام وتدهور بعض المؤسسات التعليمية.
وتحدثت السلطات عن إصابة عشرات العاملين في التعليم واعتقال نحو خمسة آلاف متظاهر، معظمهم من المراهقين، بينما اتسعت المواجهات بين الطلاب والشرطة في عدد من المدن.
إلى جانب ذلك، الأرقام الاقتصادية تضع فرنسا أمام أسئلة أكثر ثقلاً.
الدين العام الفرنسي متوقع أن يبلغ 119.3% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، بعد أن كان 115.7% في 2025،
مع توقع ارتفاعه إلى 121.7% في 2027. أما العجز المتوقع لعام 2026 فيبلغ 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي.
وفي الأسواق، ارتفعت علاوة المخاطر على السندات الفرنسية إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2012، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى خفض الإنفاق ، بنحو 54 مليار يورو ضمن مشروع ميزانية 2027.
اقتصاد يضغط على الدولة.
ميزانية تبحث عن مليارات التوفير.
دين يقترب من 120% من الناتج.
ثانويات تغلق أبوابها.
طلاب في الشوارع.
ثم رئيس فرنسا في مدريد يتحدث عن سبتة.
هنا تحديداً يبدأ السؤال الذي يتجاوز الخبر.
هل يكون الهروب السياسي دائماً مغادرة المكان
ماذا يقول اختيار الملف الذي يتحدث عنه الرئيس حين تكون الملفات الأكثر إلحاحاً تنتظره في بلاده؟
قد تكون زيارة إسبانيا مقررة مسبقاً، وقد تكون العلاقات الفرنسية الإسبانية ذات أهمية سياسية واقتصادية،
وقد تكون قضايا الهجرة والحدود الأوروبية جزءاً طبيعياً ، من النقاش بين بلدين أوروبيين.
هذه وقائع لا تلغي السؤال.
لأن قراءة المشهد لا تتوقف عند ما قيل فقط.
تنظر أيضاً إلى ما الذي اختار المسؤول أن يمنحه حضوره، وفي أي لحظة، وتحت أي ضوء.
والسؤال هنا أكثر وضوحاً:
هل يكون الهروب السياسي دائماً مغادرة المكان، أم قد يكون أحياناً نقل أنظار الجمهور من أزمة الداخل إلى قضية خارج الحدود؟
لا يحتاج السياسي إلى اختراع أزمة جديدة حتى يغيّر اتجاه النظر.
يكفي أن يجد قضية خارجية جاهزة، وأن يقف أمام ميكروفونات دولية، وأن يتحدث عنها بلغة الدولة والأمن والحدود والتضامن.
وفي هذه الحالة، تصبح سبتة أكثر من موضوع في مؤتمر صحفي.
تصبح جزءاً من مشهد سياسي يستحق أن يُقرأ.
لأن الرئيس الفرنسي الذي تحدث في مدريد عن التضامن مع إسبانيا، كان وراءه بلد يحتاج إلى تضامن سلطته معه أيضاً.
طلاب فرنسيون في الشوارع.
مدارس مغلقة.
مدرسون يحتجون.
حكومة تبحث عن خفض الإنفاق.
دين عام يسجل مستويات قياسية.
وسوق مالية تراقب قدرة الدولة الفرنسية على ضبط ماليتها.
فأين كان ينبغي أن يتجه الاهتمام؟
على أزمة تقع في مدينة متنازع على وضعها السياسي، أم على أزمات تمس المواطن الفرنسي في مدرسته واقتصاده ومستقبله؟
ومن حق الفرنسيين أن يسألوا:
حين كان رئيسهم يتحدث عن التعاطف مع إسبانيا، من كان يتعاطف معهم؟
وأين كان الحديث عن الاقتصاد الفرنسي، وعن الدين، وعن العجز، وعن الكلفة التي ستدفعها الأجيال القادمة؟
ربما تكون السياسة قادرة على إدارة أكثر من ملف في الوقت نفسه.
لكن المواطن يظل قادراً على طرح سؤال بسيط:
من يلتفت إلينا حين ينشغل الرئيس بالحديث عن الآخرين؟
وهل يمكن لرئيس أن يرى أزمة شعب آخر بوضوح، بينما ينتظر شعبه منه أن يرى أزمته أولاً؟
ربما لا يكون الهروب السياسي دائماً في مغادرة البلاد.
ربما يكون أحياناً في اختيار الحديث عن الخارج، حين يصبح الداخل أكثر إلحاحاً من أن يُترك بلا جواب.
وهنا لا تعود المسألة سبتة وحدها.
تصبح المسألة: ماذا تكشف لنا الأولويات السياسية عن الأشياء التي تريد السلطة أن يراها الناس، والأشياء التي تفضّل أن تبقى في الظل؟
لكل فكرة ظلها.

