سهيلة الرملي تكتب  فينوس واللاوعي - النايل نيوز
الرئيسية » سهيلة الرملي تكتب  فينوس واللاوعي
مقالات

سهيلة الرملي تكتب  فينوس واللاوعي

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

سهيلة الرملي تكتب

فينوس واللاوعي

بين جسدٍ نُحت في الحجر وجسدٍ يُعاد تشكيله اليوم

منذ آلاف السنين، جلس إنسان أمام قطعة صخرية، وأمسك بأداة بسيطة لينحت جسد امرأة. لم تكن هناك مرايا رقمية ولا منصات تواصل. ومع ذلك، منح الجسد الأنثوي شكلًا محددًا؛ ثديين بارزين، بطناً ممتلئاً، وركين وفخذين واضحين، ليبدو الامتلاء جزءًا أساسيًا من الرسالة، ومن أشهرها فينوس ويلندورف.

نحن لا نعرف بدقة لماذا صُنعت هذه التماثيل؛ فقد تكون للخصوبة، أو الوفرة، أو البقاء، أو لوظيفة طقسية لا نستطيع استعادتها اليوم. لكنها تترك سؤالًا لا يخص الماضي وحده: لماذا كان جسد المرأة مهمًا لهذه الدرجة في خيال الإنسان؟ وهل تغيّر هذا الخيال حقًا، أم أن الإنسان الحديث غيّر لغته بينما بقيت في داخله استجابات أقدم؟

بين ما يقوله الرجل وما ينجذب إليه

في حياتنا المعاصرة، تظهر مفارقة غريبة؛ رجل يرى أن النحافة هي «الجسم المثالي»، لكنه ينجذب فعلياً لامرأة أكثر امتلاءً. هنا تظهر كلمة اللاوعي؛ وهو لا يعني رجلاً بدائياً، بل يشير إلى أن جزءاً من الانجذاب يحدث دون قرار واعٍ. فالإنسان يتعلم المعايير من الثقافة والموضة، بينما تكون استجابته الشخصية أكثر تعقيداً.

الانجذاب ليس بقايا تطورية فحسب، بل تفاعل بين البيولوجيا، والثقافة، والخبرة، والتفضيلات الفردية. ويبقى التناقض مثيراً: هل نحن نختار الجمال، أم أن جزءاً من الجمال يختار استجابتنا قبل أن نفكر فيه؟

وماذا تقول فينوس؟

هنا تعود فينوس. من السهل الاستنتاج أن رجال العصر الحجري أحبوا النساء الممتلئات، لكن علم الآثار أكثر تحفظًا. التمثال لا يخبرنا من فضل ماذا، بل يخبرنا فقط أن إنسانًا قديماً اختار تصوير الجسد الأنثوي بطريقة معينة. وقد يكون الامتلاء رمزًا للخصوبة أو الوفرة. ولهذا فإن فينوس ليست «دليلًا على ذوق الرجال»، بل دليل على أن الجسد حمل قيمة رمزية كبرى.

ثم جاء الإنسان الحديث الذي لم يتوقف عن إعادة تشكيل صورة الجسد؛ تغيرت الأدوات من الحجر إلى اللوحة، ثم الصورة الفوتوغرافية، فالإعلان، وصولًا للصورة الرقمية وعمليات تشكيل الجسم وتكبير الأرداف. وهنا تظهر مفارقة شعرية: الإنسان القديم نحت ما يتخيله، والإنسان الحديث يعيد تشكيل جسده ليقترب من خياله. لكن انتشار العمليات لا يعني أن الرجال جميعًا يفضلون الكيرفي؛ فالمرأة تختار العملية لأسباب تخص رغبتها، وتصورها عن جسدها، والموضة، وتأثير المشاهير.

أين المرأة الحقيقية؟

بين فينوس الحجرية، وموديل الإعلانات، والمرأة الكيرفي، هناك امرأة لا تعيش لتكون تمثالًا، ولا صورة في مجلة، ولا إجابة عن سؤال: «أي جسد يفضله الرجال؟»

نحن نتحدث عن جسد المرأة وكأنه موضوع يملكه الآخرون: الأثري يفسره، والإعلام يصوره، والرجل يفضله، والجراحة تعيد تشكيله. لكن ماذا عن المرأة التي تعيش داخل هذا الجسد؟ عن رغبتها، وعلاقتها بجسدها، والطريقة التي ترى بها نفسها بعيدًا عن عين المجتمع؟ ربما هذه النقطة تجعل قصة فينوس أكثر إنسانية؛ فتمثال فينوس لا يملك صوتًا، ونعرف فقط كيف صورها مجتمعها، وهذا فرق هائل.

هل ما زال الإنسان الأول فينا؟

الإنسان الحديث ليس نسخة متحجرة من إنسان العصر الحجري، لكن أجسادنا وأدمغتنا نتاج تاريخ تطوري طويل، بينما تغيرت بيئتنا الثقافية بسرعة هائلة. ومع ذلك، تحمل بعض آليات الانجذاب جذورًا أقدم بكثير. وهنا تصبح فينوس مهمة، ليس لأنها تخبرنا أن الرجل القديم أحب الكيرفي، بل لأنها تدفعنا لسؤال أعمق: كم من ذوقنا نصنعه نحن، وكم منه تصنعه طبقات أقدم من وعينا؟

فينوس الأخيرة

ربما لو استطاعت فينوس القديمة أن تحدثنا، فلن تسألنا عما إذا كنا نحب هذا الجسد، بل ستقول بقسوة: «لماذا ما زلتم منشغلين إلى هذا الحد بجسد المرأة؟»

من حجرٍ قديم إلى غرفة عمليات حديثة، ظل الإنسان يعيد رسم الجسد الأنثوي. لكن المرأة الحقيقية لم تكن يومًا مجرد رسم؛ هي ليست فينوس، وليست موديلًا، وليست كيرفي فقط، بل هي الإنسان الذي يسكن هذا الجسد. وتبقى المفارقة الأخيرة: لقد تغيّرت صور الجمال وأدوات تشكيله، لكن السؤال الذي يجب أن يتغير أيضًا هو: هل نريد أن نفهم جسد المرأة، أم نريد فقط أن نقرر كيف يجب أن يكون؟

وهنا تنتهي حكاية فينوس… وتبدأ حكاية المرأة الحقيقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *