بين الركام وأصوات القصف.. عام دراسي جديد لأطفال غزة بلا مدارس ولا كتب
الرئيسية » بين الركام وأصوات القصف.. عام دراسي جديد بلا صفوف ولا كتب ولا طابور صباحي
مقالات

بين الركام وأصوات القصف.. عام دراسي جديد بلا صفوف ولا كتب ولا طابور صباحي

كتب المقال بواسطة أ/

بين الركام وأصوات القصف.. عام دراسي جديد بلا صفوف ولا كتب ولا طابور صباحي

 

بقلم: وضحة الكفارنة

 

مع بداية عام دراسي جديد، يستعد أطفال العالم للعودة إلى مقاعد الدراسة، يحملون حقائبهم وكتبهم، ويتجمعون في طوابير الصباح،

بينما في غزة يبدأ عام دراسي مختلف تمامًا؛ عام بلا صفوف مكتملة، ولا مقاعد دراسية، ولا كتب، ولا طابور صباحي.

 

هنا، لا يذهب الطالب إلى مدرسة يعرفها، بل قد يجد نفسه في خيمة وسط واقع مثقل بالركام والنزوح وأصوات القصف.

 

مدارس تحولت إلى ركام ومراكز إيواء

 

يواجه قطاع التعليم في غزة كارثة إنسانية وتعليمية بالغة القسوة، بعدما تعرضت أعداد كبيرة من المنشآت التعليمية لأضرار ودمار،

وحُرم مئات الآلاف من الأطفال والطلاب من حقهم الطبيعي في التعلم داخل بيئة آمنة ومستقرة.

 

المدارس التي كانت يومًا أماكن للعلم واللعب والصداقات، تحولت إلى مبانٍ مدمرة أو مراكز إيواء مكتظة بالنازحين، وأصبح الوصول إلى التعليم نفسه تحديًا يوميًا أمام جيل كامل.

 

وفي ظل هذا الواقع، تحاول المنظومة التعليمية ابتكار بدائل مؤقتة،

فظهرت «مدارس الخيام» باعتبارها محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من حق الأطفال في التعليم، وعدم ترك الحرب تسرق منهم مستقبلهم بالكامل.

 

لكن الخيمة، مهما كانت ضرورية، لا يمكن أن تكون بديلًا حقيقيًا عن المدرسة

 

خيمة ممزقة قد لا تقي طفلًا من حرارة الصيف أو برد الشتاء، ولا توفر بالضرورة المقومات الأساسية لبيئة تعليمية لائقة.

 

فصول بلا مقاعد.. وطلاب يكتبون مستقبلهم على الأرض

 

في هذه الفصول المؤقتة، قد يغيب المقعد والكتاب والسبورة، بينما يحضر الطفل بإصراره على التعلم.

 

يفترش الطلاب الأرض، يحملون ما تيسر من أدوات، ويحاولون متابعة دروسهم وسط ظروف لا تشبه على الإطلاق الحياة المدرسية الطبيعية.

 

ومع ذلك، فإن مجرد وجود طفل داخل مساحة تعليمية، ممسكًا بقلم ويحاول أن يتعلم، يمثل في حد ذاته رسالة بالغة القوة: أن هذا الجيل لا يريد أن يفقد حقه في المستقبل.

 

جراح نفسية تتجاوز حدود المدرسة

 

المأساة لا تتوقف عند فقدان المباني والمناهج والأدوات التعليمية.

 

فأطفال غزة يحملون معهم إلى أماكن التعلم آثار الخوف والقلق والصدمة، بعدما عاش كثير منهم تجارب قاسية مرتبطة بالقصف والنزوح وفقدان الأقارب والأصدقاء.

 

كيف يستطيع طفل أن يركز في درس، بينما ذاكرته ما زالت ممتلئة بأصوات الانفجارات ومشاهد الدمار؟

 

وكيف يمكن أن نطالبه بالتحصيل الدراسي، بينما يبحث في حياته اليومية عن الإحساس بالأمان؟

 

إن التعليم في مثل هذه الظروف لا يحتاج فقط إلى كتاب وقلم، وإنما يحتاج أيضًا إلى مساحة آمنة، ودعم نفسي،

وشخص بالغ يستطيع أن يقول للطفل: أنت بخير، ويمكنك أن تحلم من جديد.

 

الطالب يحمل أعباء أكبر من حقيبته

 

يعاني كثير من الطلاب أيضًا من الإنهاك الجسدي والنفسي نتيجة الظروف المعيشية الصعبة.

 

فالطفل الذي يصل إلى مكان التعلم قد يكون قد أمضى جزءًا من يومه في البحث عن الماء أو الطعام، أو مساعدة أسرته في مواجهة متطلبات الحياة اليومية.

 

وبالتالي، فإن المعركة من أجل التعليم لا تنفصل عن المعركة من أجل الحياة نفسها.

 

فالطفل يحتاج إلى الغذاء والماء والأمان والرعاية النفسية، كما يحتاج إلى التعليم. وكل هذه الحقوق مترابطة، ولا يمكن التعامل مع أحدها بمعزل عن الآخر.

 

من الخيمة تبدأ محاولة إنقاذ المستقبل

 

إن استمرار التعليم، ولو في أبسط صوره الممكنة، يظل ضرورة وليس رفاهية.

 

ولهذا، فإن المسؤولية لا تقع على عاتق المعلمين والأسر وحدهم، وإنما تحتاج إلى تحرك من المؤسسات الدولية والجهات الحكومية

والمنظمات الأممية والإنسانية، وعلى رأسها اليونيسف والأونروا، لتوفير حلول تعليمية أكثر أمانًا وكرامة للأطفال.

 

ومن الضروري العمل على توفير كرفانات أو وحدات تعليمية مؤقتة مجهزة بدلًا من الخيام، بما يوفر للطلاب حماية أفضل وبيئة أكثر ملاءمة للتعلم.

 

كما يجب توفير الكتب والحقائب والأدوات المدرسية الأساسية، وتعويض ما فقده الأطفال خلال سنوات الحرب والنزوح.

 

الدعم النفسي جزء من العملية التعليمية

 

لا يمكن بناء مستقبل تعليمي حقيقي من دون الاهتمام بالصحة النفسية للأطفال.

 

لذلك، تبرز الحاجة إلى برامج دعم نفسي واجتماعي مستمرة داخل التجمعات التعليمية، تساعد الأطفال على التعامل مع آثار الصدمات والخوف،

وتمنحهم فرصة لاستعادة قدرتهم على التركيز والتفاعل والاندماج في العملية التعليمية.

 

فالمدرسة ليست مكانًا للدرس فقط؛ إنها مساحة لبناء شخصية الطفل، وتكوين صداقاته، واكتشاف مواهبه، والشعور بأنه ينتمي إلى مجتمع له مستقبل.

 

إعادة إعمار المدارس.. معركة من أجل جيل كامل

 

وفي الوقت نفسه، يجب أن تبدأ الاستعدادات لخطة دولية عاجلة لإعادة إعمار المؤسسات التعليمية المتضررة وترميم ما يمكن إصلاحه منها، بمجرد أن تسمح الظروف بذلك.

 

فإعادة بناء المدرسة ليست مجرد إعادة بناء جدران وأسقف.

 

إنها إعادة بناء جزء من حياة الطفل.

 

إعادة السبورة إلى مكانها، والكتاب إلى يد الطالب، والمقعد إلى الفصل، والطابور الصباحي إلى ساحة المدرسة، تعني إعادة جزء من الحياة الطبيعية إلى جيل حُرم منها طويلًا.

 

عام دراسي جديد.. لكن الحلم لم ينتهِ

 

قد يبدأ العام الدراسي في غزة بلا مدارس مكتملة، وبلا مقاعد كافية، وبلا كتب، وربما في خيام لا تشبه المدارس التي عرفها الأطفال من قبل.

 

لكن هناك شيئًا لا تستطيع الحرب أن تهدمه بسهولة: رغبة الطفل في أن يتعلم ويحلم بمستقبل أفضل.

 

ومن هنا، فإن حماية حق أطفال غزة في التعليم ليست مجرد مساعدة إنسانية مؤقتة، بل هي استثمار في مستقبل جيل كامل.

 

فبين الركام وأصوات القصف، لا يزال هناك طفل يحمل قلمًا.

 

وربما يكون ذلك القلم الصغير هو أول خطوة في طريق إعادة بناء ما هدمته الحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *