ممدوح سرور «أسد المظلات».. صاحب 5 شهادات استشهاد في حرب أكتوبر
الخميس, سبتمبر 10, 2026
الرئيسيةمقالات«5 مرات مات فيها وعاد للحياة».. حكاية ممدوح سرور أسد المظلات في حرب أكتوبر
مقالات

«5 مرات مات فيها وعاد للحياة».. حكاية ممدوح سرور أسد المظلات في حرب أكتوبر

«أسد المظلات».. المقاتل ممدوح سرور صاحب 5 شهادات استشهاد في حرب أكتوبر

 

من ذكريات حرب أكتوبر 1973

بقلم: الكاتب والمؤرخ العسكري د. أحمد علي عطية الله

 

قد نكون سمعنا عن بطل من أبطال الحروب استُخرجت له شهادة استشهاد، ثم فاجأ وحدته وأسرته بعودته حيًا بعد أن كانوا قد تلقوا العزاء فيه.

 

وقد كتبتُ من قبل عن بطل استُخرجت له شهادتا استشهاد خلال حرب أكتوبر المجيدة من قوات الصاعقة المصرية.

 

لكن المفاجأة الكبرى كانت أن ألتقي بطلًا من نوع مختلف؛ مقاتلًا يحمل في قصته خمس شهادات استشهاد، ثلاث منها مكتوبة واثنتان شفويتان.

 

إنه المقاتل ممدوح سرور أبو هاشم، الذي أطلق عليه قائد كتيبته لقب «أسد المظلات»، حتى طلب من زملائه في الوحدة ألا ينادوه إلا بهذا اللقب.

 

فما حكاية هذا البطل الذي بدا وكأنه يخرج من الموت في كل مرة ليعود إلى ساحة القتال من جديد؟

 

من أحياء الجيزة إلى طريق البطولة

 

وُلد ممدوح سرور أبو هاشم في أحد الأحياء الشعبية بمدينة الجيزة يوم 17 أكتوبر 1952.

 

التحق بمعهد التربية الرياضية بالمعادي، وبعد تخرجه، وبعد ثلاث سنوات من الدراسة والتدريب،

اتفق مع عدد من زملائه الذين كانوا يفيضون بالحماس وحب الوطن على التطوع في القوات المسلحة.

 

كان الهدف واضحًا: المساهمة في تحقيق النصر، واسترداد الأرض والكرامة، والأخذ بثأر ما حدث في نكسة يونيو 1967.

 

وكانت اللياقة البدنية العالية التي اكتسبها خلال دراسته بمعهد التربية الرياضية دافعًا قويًا أمامه لاختيار واحد من أصعب وأقوى الأسلحة؛ الصاعقة أو المظلات.

 

البداية مع القوات الخاصة

 

في عام 1970، التحق ممدوح سرور بمركز تدريب القوات الخاصة، في وقت كان فيه سلاحا الصاعقة والمظلات قد جرى ضمهما تحت قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي.

 

وكان مركز التدريب في ذلك الوقت بمنطقة العامرية، بعد تعرض موقع مدرسة الصاعقة في إنشاص لغارات جوية مكثفة من طيران العدو،

في أعقاب العمليات التي نفذتها قوات الصاعقة خلف خطوطه.

 

هناك بدأ الشاب ممدوح رحلة شاقة من التدريب والتأهيل.

 

حصل على عدة فرق وتدريبات متخصصة، من بينها فرقة معلمي الصاعقة، وفرقة الصاعقة الراقية، والفرقة 148، قبل أن يتم توزيعه على سلاح المظلات.

 

وكان عمره وقتها لا يتجاوز 18 عامًا.

 

إلى كتيبة النخبة

 

انضم ممدوح سرور إلى إحدى كتائب المظلات بمنطقة إنشاص، تحت قيادة اللواء أركان حرب عاطف منصف، ابن مدينة السويس.

 

وهناك خضع لبرامج تدريب متخصصة في المظلات والاستطلاع والاقتحام الجوي،

داخل كتيبة كانت مصنفة كإحدى أبرز كتائب المظلات، ولا تقبل في صفوفها إلا العناصر المتميزة.

 

لم يكن الطريق سهلًا.

 

فالفترة التي سبقت حرب أكتوبر 1973 كانت بالنسبة لممدوح ورفاقه فترة تدريب متواصل وإعداد بدني ونفسي وعسكري شاق،

استعدادًا للمهمة التي ستوكل إليهم بمجرد صدور أمر بدء الحرب.

 

وكان كل تدريب، وكل قفزة، وكل تمرين، يحمل في داخله استعدادًا للحظة التي انتظرها المقاتلون المصريون طويلًا:

 

من التدريب إلى ساعة الحقيقة

 

ظل ممدوح سرور ورفاقه في الكتيبة 85 مظلات في تدريبات متواصلة استعدادًا للمهمة التي كانوا ينتظرونها.

 

وكانت تدريباتهم شديدة القسوة؛ السير لمسافات طويلة بكامل المعدات، والتدريب على الإبرار الجوي والاقتحام الرأسي والقتال خلف خطوط العدو،

وهي تدريبات كان الهدف منها إعداد المقاتل للعمل في أصعب الظروف.

 

وبحسب رواية ممدوح سرور في حواره مع «المجموعة 73 مؤرخين»، كانت الكتيبة تتدرب على تنفيذ مهامها خلف خطوط العدو،

وقطع طرق الإمداد ومنع وصول الاحتياطيات، حتى إن بعض التدريبات كانت تمتد لمسافات تصل إلى عشرات الكيلومترات.

 

ثم جاءت اللحظة التي انتظرها الجميع…

 

6 أكتوبر 1973.

 

بدأت حرب التحرير، وبدأ معها فصل جديد من حياة الشاب الذي اختار طريق الصاعقة والمظلات وهو يعرف أن هذا الطريق قد يقوده إلى الموت في أي لحظة.

 

من مهمة محدودة إلى معركة شرسة

 

في منتصف أكتوبر، ومع تطور أحداث الثغرة، صدرت الأوامر إلى الكتيبة 85 مظلات

بالتحرك إلى منطقة الدفرسوار للتعامل مع القوات الإسرائيلية التي تسللت إلى غرب القناة.

 

وكانت المعلومات الأولية تتحدث عن وجود عدد محدود من دبابات العدو، لكن الواقع الذي اكتشفه رجال الكتيبة كان مختلفًا تمامًا.

 

تحركت الكتيبة باتجاه منطقة سرابيوم، وكانت مهمة المقاتلين في البداية التعامل مع عدد من الدبابات التي قيل إنها تسللت إلى الضفة الغربية للقناة.

 

لكن عند الوصول إلى المنطقة، اكتشف الرجال أنهم أمام قوة إسرائيلية أكبر بكثير مما تصوروا،

تضم دبابات ومجنزرات وعربات مدرعة. وتحوّلت المهمة التي بدت في البداية محدودة إلى مواجهة شرسة مع قوات متفوقة في العدد والتسليح.

 

وفي التاسعة والنصف تقريبًا من مساء 16 أكتوبر، بدأ الاشتباك الحقيقي.

 

نيران كثيفة، وأسلحة خفيفة في مواجهة دبابات ومدرعات، ورجال مظلات يقاتلون في منطقة مليئة بالأشجار والمزارع.

 

وخلال المعركة أصيب مساعد ممدوح سرور إصابة بالغة أدت إلى استشهاده، كما تفرقت عناصر القوة تحت ضغط النيران.

 

لكن ممدوح سرور لم يكن من الرجال الذين يتراجعون أمام الخطر.

 

«أسد المظلات» يواجه الدبابات

 

في إحدى أكثر وقائع المعركة شهرة، كان سرور من بين الرجال الذين واجهوا الدبابات الإسرائيلية في المنطقة الشجرية.

 

وتروي المصادر الصحفية عن هذه الواقعة أن سرور اندفع منفردًا في مواجهة الدبابات،

مستخدمًا القنابل اليدوية، وتمكن من إلحاق خسائر بعدد منها، قبل أن تبدأ الدبابات في مطاردته.

 

وتشير رواية «أخبار اليوم» إلى أن سرور لف حول جسده أحزمة عسكرية حملت عددًا كبيرًا من القنابل اليدوية، ثم تقدم إلى منطقة الدبابات،

بينما كانت عناصر الكتيبة تراقب ما يحدث وتحاول استغلال الموقف للتعامل مع المدرعات.

 

كان الرجل يتحرك بسرعة بين الدبابات، بينما كانت نيرانها تبحث عنه.

 

ولم يكن ما يفعله مجرد اندفاع فردي؛ فقد تحول إلى عنصر أربك حركة العدو، وأتاح للمقاتلين المصريين فرصة التعامل مع بعض المدرعات.

 

لكن المفارقة أن هذا المقاتل الذي واجه الدبابات في قلب المعركة،

لم يكن يعرف أن تلك الليلة ستكون بداية سلسلة من المرات التي سيظنه فيها رفاقه قد استشهد.

 

الشهادة الأولى.. سرابيوم

 

كانت المواجهة في سرابيوم هي البداية.

 

فبعد الاشتباك العنيف، اعتُبر ممدوح سرور من المفقودين، وظن رفاقه أنه استشهد.

 

وفي خضم المعركة، كان من الطبيعي أن يصعب الوصول إلى حقيقة مصير كل مقاتل،

خاصة مع شدة القصف وتداخل القوات وتشعب مناطق القتال.

 

لكن «أسد المظلات» ظهر من جديد.

 

لم تكن تلك المرة الأخيرة التي يخرج فيها ممدوح سرور من قلب الموت.

 

خمس شهادات استشهاد

 

بحسب ما نشرته صحيفة «الدستور» في شهادته عن حرب أكتوبر، نجا العريف ممدوح سرور من الموت خمس مرات،

وصدر بحقه خمس شهادات استشهاد رسمية، نتيجة خطورة العمليات التي شارك فيها.

 

كانت الشهادة الأولى بعد معركة سرابيوم.

 

أما الثانية فجاءت بعد معركة اختفى خلالها لمدة يومين في نقطة قتال خارجية أسفل جبل مريم.

 

ثم جاءت الشهادة الثالثة في واقعة أكثر غرابة؛ إذ كان ممدوح يشارك في مهمة لنسف أحد أبراج المراقبة، قبل أن ينهار البرج فوقه.

 

كان الجميع يعتقد أن الرجل انتهى.

 

لكن ممدوح سرور نجا مرة أخرى.

 

ويروي عن إحدى تلك الوقائع أنه تدحرج إلى حفرة «دوشمة» وظل بداخلها ثلاثة أيام، قبل أن يتمكن من الخروج.

 

البرج الثاني.. والموت يخطئه للمرة الرابعة

 

لم يكد ينجو من واقعة البرج الأولى حتى واجه واقعة مشابهة مرة أخرى.

 

انهار برج آخر عليه وعلى أحد زملائه.

 

استشهد زميله، بينما نجا ممدوح للمرة الرابعة.

 

وهنا بدأت قصته تتحول من مجرد حكاية مقاتل نجا من الموت إلى واحدة من أغرب قصص البقاء في حرب أكتوبر.

 

لكن الفصل الخامس كان الأكثر قسوة.

 

ثلاثة أيام تحت الأرض

 

جاءت الشهادة الخامسة في منطقة جبل مريم.

 

كان ممدوح سرور وفريقه يعملون في ظروف شديدة الخطورة، وسط حصار وضغط متواصل من قوات العدو.

 

وفي 22 أكتوبر، كُلف ممدوح بقيادة مجموعة استطلاع لفتح نقطة قتال خارجية أسفل جبل مريم بنحو 500 متر.

 

تم فتح النقطة بالفعل.

 

لكن قوات العدو رصدتها وقصفتها بقنبلة تسببت في انهيار الموقع،

ودفنت تسعة من الجنود المصريين تحت التراب، وكان ممدوح سرور بينهم.

 

هذه المرة لم تكن مجرد إصابة أو سقوط برج.

 

لقد دُفن الرجل حيًا.

 

وظلت جثامين الشهداء التسعة فوقه وحوله.

 

ثلاثة أيام كاملة.

 

ثلاثة أيام عاش فيها ممدوح سرور في الظلام، بلا طعام ولا ماء، وسط رفاقه الذين استشهدوا.

 

ويروي البطل أن الإنسان في مثل هذه اللحظات لا يفكر في الطعام والشراب،

وإنما يفكر فيمن حوله، مؤكداً أنه ظل ثلاثة أيام مع الشهداء، وكان يشعر وكأنهم يتحدثون إليه.

 

«فيه واحد عايش أهو»

 

في اليوم الخامس والعشرين من أكتوبر، وصلت معلومات إلى القوات المصرية بوجود نقطة تضم شهداء،

فبدأت مجموعة من الجنود في الحفر لاستخراج الجثامين.

 

وبينما كان الجنود يزيلون التراب، ظهرت مفاجأة لم تكن في الحسبان.

 

كان هناك مقاتل حي تحت الأنقاض.

 

كان ممدوح سرور.

 

خرج «أسد المظلات» من بين جثامين تسعة من زملائه، بعد ثلاثة أيام قضاها مدفونًا تحت الأرض.

 

لم تكن شهادة الاستشهاد الخامسة هي النهاية.

 

كانت عودة جديدة لرجل كتب له أن يرى الموت عن قرب مرات متتالية، ثم يعود إلى الحياة ليكمل مهمته.

 

«أنت على طول كده لك عمر»

 

بعد إنقاذه، جاءت العبارة التي اختصرت ربما كل حكايته.

 

قال له قائد الكتيبة:

 

«أنت على طول كده لك عمر».

 

عبارة بسيطة، لكنها تلخص قصة رجل ظل الموت يطارده طوال الحرب، وفي كل مرة كان ينجو ليعود إلى صفوف المقاتلين.

 

من مقاتل إلى أسطورة

 

لم يكن لقب «أسد المظلات» مجرد لقب احتفالي.

 

فالمصادر التي وثقت شهادته تذكر أنه أصبح معروفًا بهذا الاسم،

كما أشارت تقارير أخرى إلى أن قصته حظيت باهتمام واسع في مناسبات تكريم أبطال حرب أكتوبر.

وقد كرّمته وزارة الثقافة ضمن مجموعة من أبطال حرب أكتوبر عام 2017.

 

كما شارك في فعاليات وندوات عديدة للحديث عن تجربته في الحرب،

وظلت شهادته مصدرًا مهمًا لتوثيق جانب من معارك قوات المظلات في منطقة الثغرة وجبل مريم.

 

لم تكن البطولة في النجاة فقط

 

قصة ممدوح سرور لا تكمن فقط في أنه نجا من الموت خمس مرات.

 

الأهم أنه في كل مرة كان يعود فيها إلى أرض المعركة، كان يعود إلى صفوف مقاتليه.

 

كان يمكن أن تتحول النجاة إلى رغبة طبيعية في الابتعاد عن الخطر،

لكنه ظل يؤدي مهامه وسط ظروف قاسية استمرت حتى ما بعد الأيام الأولى للحرب.

 

وتكشف شهادته عن جانب آخر من حرب أكتوبر؛ جانب الجنود الذين قاتلوا في ظروف لا يعرف عنها الكثيرون إلا القليل،

والذين عاشوا أيامًا طويلة في الصحراء وتحت القصف وفي مواجهة قوات مدرعة متفوقة في العدد والتسليح.

 

شهادة مقاتل على جيل كامل

 

تظل شهادة ممدوح سرور واحدة من الشهادات التي تمنح حرب أكتوبر وجهًا إنسانيًا مختلفًا.

 

فوراء الخرائط والأرقام والعمليات العسكرية، هناك مقاتل يحمل سلاحه، يفقد زملاءه، يواجه الموت، ثم ينهض ليواصل الطريق.

 

ومن بين هؤلاء كان ممدوح سرور أبو هاشم.. «أسد المظلات».

 

مقاتل خرج من الجيزة شابًا في الثامنة عشرة، دخل القوات المسلحة بحثًا عن فرصة للمشاركة في تحرير الأرض،

ثم خرج من حرب أكتوبر وقد ترك اسمه في ذاكرة رفاقه وذاكرة التاريخ.

 

خمس شهادات استشهاد…

 

وخمس مرات أخطأ فيها الموت هدفه.

 

لكن الحقيقة الأعمق أن ممدوح سرور لم يكن يبحث عن الخلود.

 

كان يبحث عن النصر.

 

وعندما عاد إلى مدينته بعد انتهاء العمليات، قال في شهادته إنه رأى مصر المنتصرة في عيون شعبها،

وشعر بأنه أدى واجبه تجاه بلاده.

 

وهكذا بقي «أسد المظلات» حيًا، ليس فقط لأنه نجا من الموت، وإنما لأنه حمل معه شهادة حيّة على بطولة جيل كامل آمن أن الأرض لا تُسترد إلا بالتضحية.

 

بقلم: الكاتب والمؤرخ العسكري د. أحمد علي عطية الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *