بين العلاج والدراسة ولمّ الشمل.. غزيّون يبحثون عن مخرج على أمل العودة
عبده الشربيني حمام
رغم توقف الحرب لا يزال قطاع غزة ينتظر انطلاق مسار إعادة الإعمار وفتح المعابر أمام تدفق أكبر للسلع والبضائع، وسط اتهامات متبادلة بين حماس وإسرائيل بعرقلة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار.
ويُعدّ ملف الهجرة من أكثر الملفات غموضاً، إذ يبقى أشبه بسرّ مسكوت عنه. ففي ظل حجم الدمار وتردّي الأوضاع المعيشية، تُطرح مغادرة القطاع كأحد الحلول المتاحة، لا سيما أمام الطلبة الحاصلين على منح جامعية، والمرضى الساعين إلى العلاج، ومن لديهم أقارب في الخارج.
وتشير دراسات بحثية عن تنامي النقاشات حول ملف الهجرة الوقتية من غزة الى حين انتهاء الحرب بشكل فعلي في القطاع وبدء مسار حقيقي لبناء غزة من جديد.
وتُظهر استطلاعات الرأي أن الرغبة في المغادرة لا تعني بالضرورة الاستقرار الدائم خارج القطاع. ففي استطلاع نشرته جمعية “غالوب الدولية” في مارس 2025، قال 38% من المشاركين في غزة إنهم سيغادرون مؤقتاً إذا أُتيحت لهم الفرصة، مقابل 14% فضّلوا المغادرة الدائمة.
وأرجع المشاركون رغبتهم في المغادرة أساساً إلى غياب الأمن وفرص العمل والتعليم والرعاية الصحية.
العلاج.. رحلة موافقات طويلة
وبحسب تقرير لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) صدر منتصف أكتوبر 2026، تجاوز عدد المرضى الذين أُجلوا من غزة لتلقي رعاية متخصصة منذ أكتوبر 2023 حاجز 13,800 مريض، في حين لا يزال آلاف آخرون بحاجة ماسّة إلى الإجلاء، بينما تعاني المنظومة الصحية داخل القطاع نقصاً حاداً في الأدوية والوقود وقطع غيار المعدات.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن السفر يتطلب سلسلة من الموافقات تشمل الجهات الطبية والدولة المستقبِلة والسلطات الإسرائيلية، إضافة إلى سلطات دول العبور بحسب المسار المعتمد، من دون سقف زمني محدد لإنجاز الإجراءات.
وتؤكد المنظمة أن الإجلاء يتم على أساس إمكانية عودة المرضى ومرافقيهم بعد انتهاء العلاج، وهو ما تنص عليه استمارة الموافقة التي يوقّعونها قبل السفر.
وفي شهادة نقلها موقع أخبار الأمم المتحدة في فبراير 2026، عبّر الطفل يوسف عوض، الذي يتنقّل على كرسي متحرك، عن أمله في السفر لتلقي العلاج والعودة قادراً على المشي واللعب.
منح جامعية ومساعدات حكومية
وأقرّت الحكومة البريطانية، في وثيقة محدّثة صدرت في يوليو 2026، بوجود طلبة داخل غزة حاصلين على منح دراسية كاملة، لكنهم عاجزون عن السفر لبدء دراستهم.
وأعلنت لندن تقديم الدعم للطلبة المستوفين للشروط للالتحاق بالعام الجامعي 2026-2027، مع إعطاء الأولوية لحاملي منح “تشيفنينغ” والمنح الكاملة المعتمدة، مشيرة إلى الدور الذي قد يؤدونه مستقبلاً في إعادة إعمار القطاع. غير أنها شدّدت على أنه لا يمكن ضمان خروجهم ووصولهم إلى بريطانيا، إذ يرتبط التنفيذ بالتنسيق مع أطراف دولية وبظروف خارجة عن سيطرتها.
وتكشف هذه الإجراءات أن القبول الأكاديمي والتمويل لا يحلّان سوى جانب من المشكلة، فيما يظل عبور الحدود عقبة مستقلة قد تحول دون بدء الدراسة في موعدها.
لمّ الشمل عبر إقامة مؤقتة
ويشكّل وجود أفراد من الأسرة في الخارج مساراً آخر لمغادرة القطاع. ففي كندا، أطلقت الحكومة في يناير 2024 إجراءات خاصة لتوفير ملاذ مؤقت للفلسطينيين المتضررين من الحرب، ممن لديهم أقارب يحملون الجنسية الكندية أو الإقامة الدائمة ومستعدون لإعالتهم.
وبحسب إحاطة رسمية كندية مؤرخة في مارس 2026، أُغلق باب تقديم الطلبات في هذا المسار في 6 مارس 2025 بعد بلوغ سقف 5 آلاف طلب، مع استمرار معالجة الملفات المقدَّمة.
وأوضحت الإحاطة أن عمليات الخروج المحدودة عبر معبر كرم أبو سالم تطلّبت استكمال الوثائق والإجراءات، إلى جانب الحصول على موافقات إسرائيلية وأردنية للخروج والدخول.
وتمنح هذه البرامج بعض العائلات فرصة الاجتماع خارج القطاع، لكنها لا تكشف وحدها ما إذا كان المستفيدون يعتزمون العودة أو الاستقرار الدائم، فطبيعة الإقامة المؤقتة تختلف عن قرار كل أسرة بشأن مستقبلها.
ماذا تقول الاستطلاعات عن البقاء؟
وأظهر استطلاع “الباروميتر العربي”، الذي أُجري ميدانياً بين 8 و26 أكتوبر 2025 ونُشر تقريره الخاص بأوضاع القطاع في يونيو 2026، أن 33% من المشاركين عبّروا عن رغبتهم في المغادرة مع أسرهم، فيما قال 7% إنهم سيغادرون بمفردهم، بينما اختار 6% مغادرة أفراد آخرين من الأسرة.
وشملت عينة غزة 855 شخصاً بالغاً، عبر مقابلات مباشرة أُجريت في مناطق سكنية ومراكز إيواء.
وتقيس هذه النتائج الاستعداد للمغادرة في توقيت محدد، لكنها لا تحدد وحدها ما إذا كانت المغادرة المقصودة مؤقتة أم دائمة.
العودة ضمن مسار الهجرة
ولا تقتصر مسألة العودة على الاستطلاعات والدراسة المسحية ففي أغسطس 2026، أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أنها سهّلت عودة 88 شخصاً إلى غزة ولمّ شملهم بأسرهم بعد انفصال دام عامين ونصف العام، مؤكدة أنها تحققت مسبقاً من موافقتهم الطوعية على العملية.
وتتمسك الأمم المتحدة بضرورة السماح للمدنيين بالمغادرة والعودة طوعاً وبأمان. وبين انتظار العلاج أو بدء الدراسة أو لقاء الأسرة، يجد جزء كبير من الغزيين وبخاصة الشباب أمام خيارات محدودة داخل القطاع .

