تفويض الرئيس السيسي بشأن الدفاع عن السعودية.. بين التضامن العربي وحسابات الحرب والسلام
حوار فكري بين الكاتب والمفكر المغربي عبد المجيد عبوبي، والكاتب والشاعر اليمني عبد الإله مهيوب جمالي
في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة، وما تفرضه من تساؤلات حول مستقبل الأمن العربي وحدود التضامن بين الدول، تبرز أهمية النقاشات الفكرية التي تتناول القرارات السياسية من زوايا متعددة، تجمع بين اعتبارات الأمن القومي والمسؤولية الوطنية وضرورة تجنب اتساع رقعة الصراعات.
وفي هذا السياق، طرح الكاتب والمفكر المغربي عبد المجيد عبوبي سؤالًا على الكاتب والشاعر اليمني عبد الإله مهيوب جمالي
بشأن موقفه من التفويض البرلماني المصري للرئيس عبد الفتاح السيسي لاتخاذ ما يلزم من إجراءات للدفاع عن المملكة العربية السعودية،
متسائلًا عن دلالات القرار وحدود التحرك الذي قد يترتب عليه.
وجاء السؤال على النحو الآتي:
«السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أتمنى أن تكون بخير، وفي طمأنينة وأمان.
أود، بعد إذنك، معرفة رأيك في قرار البرلمان المصري المتعلق بتفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي لاتخاذ ما يمكن اتخاذه من إجراءات دفاعية عن المملكة العربية السعودية، في ظل ما يفرضه ذلك من اعتبارات سياسية واستراتيجية.
وبحكم اهتمامك بالشأن السياسي، أود الاستماع إلى قراءتك لهذا القرار، لا سيما من زاوية التضامن العربي وحدود المسؤولية عن قرارات الحرب والسلام.
شكرًا جزيلًا لك.»
عبد الإله مهيوب جمالي: مساندة السعودية مبدأ، لكن كيفية المساندة قرار استراتيجي
استهل الكاتب والشاعر اليمني عبد الإله مهيوب جمالي رده بتحية أخوية، مؤكدًا أن تقييم القرار المصري يستدعي النظر إليه من زاويتين أساسيتين:
التضامن العربي من جهة، والمسؤولية عن قرار الحرب والسلام من جهة أخرى.
وأوضح جمالي أن مبدأ الدفاع عن المملكة العربية السعودية إذا تعرضت لاعتداء خارجي يمكن فهمه في إطار التضامن العربي،
وترابط أمن الدول العربية، وما يجمع الشعبين المصري والسعودي من علاقات تاريخية ومصالح مشتركة.
وفي قراءته للمشهد، أشار إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يمتلك خبرة في إدارة الملفات السياسية والأمنية،
معتبرًا أن فهم التحركات المصرية يتطلب الانتباه إلى دور المؤسسات والأجهزة المعنية بالأمن القومي، وعدم الاكتفاء بقراءة القرارات بمعزل عن حساباتها الاستراتيجية.
لكنه شدد على أن السؤال الأهم، في تقديره، لا يتعلق بمجرد الوقوف إلى جانب السعودية،
وإنما بطبيعة هذا الدعم وحدوده وأهدافه والتكاليف المحتملة المترتبة عليه.
بين الدفاع عن الأراضي والانخراط في حرب مفتوحة
ويرى جمالي أن التفويض باتخاذ إجراءات دفاعية لا ينبغي تفسيره باعتباره موافقة مفتوحة على الانخراط في حرب غير محددة المدة أو الأهداف،
مشيرًا إلى وجود فارق جوهري بين حماية الأراضي السعودية من اعتداء، وبين الدخول في مواجهة تتسع جبهاتها وتتداخل حساباتها العسكرية والسياسية.
وأكد أن مصر، بما تمتلكه من ثقل عسكري وسياسي، تتحمل في الوقت نفسه مسؤولية حماية أمن شعبها واقتصادها وجنودها،
وهو ما يجعل أي تحرك عسكري محتمل بحاجة إلى تقدير دقيق للمخاطر والنتائج.
وأضاف أن من حق المواطن المصري أن يعرف، في حدود ما تسمح به اعتبارات الأمن العسكري،
طبيعة المهمة وأهدافها والضمانات التي تحول دون تحول التحرك الدفاعي إلى استنزاف طويل الأمد.
الدبلوماسية لا تتعارض مع التضامن العربي
وفي جانب آخر من إجابته، شدد الكاتب والشاعر اليمني على أن التضامن مع السعودية لا يتعارض مع السعي إلى الحلول الدبلوماسية،
بل إن الحكمة السياسية تقتضي الجمع بين حماية الدول من الاعتداء والعمل على منع اتساع الصراع.
وأشار إلى أن القوة لا تقاس فقط بالقدرة على دخول الحرب، وإنما كذلك بالقدرة على تحقيق أهداف مشروعة بأقل الخسائر الممكنة،
والحيلولة دون تحول المواجهات الإقليمية إلى أزمات ممتدة تستنزف الشعوب والدول.
ومن هذا المنطلق، دعا إلى تقييم القرار وفق مجموعة من المعايير، تشمل وضوح مبرراته، ومشروعية أهدافه، وحدود التفويض، وحجم المخاطر والتكاليف،
ومدى الالتزام بأن يظل أي تحرك في إطار الدفاع والتنسيق مع المملكة العربية السعودية، بعيدًا عن توسيع نطاق الحرب دون ضرورة.
المصلحة الوطنية في مواجهة مخاطر التصعيد
واختتم جمالي رؤيته بالتأكيد أن مساندة السعودية في مواجهة الاعتداء تمثل، من وجهة نظره، مبدأً يمكن تفهمه في إطار التضامن العربي،
لكن تحديد شكل هذه المساندة يظل قرارًا استراتيجيًا يتطلب الموازنة بين الحكمة والمصلحة والمسؤولية.
وأوضح أن حماية الأوطان لا تتحقق بالشعارات وحدها، كما لا تُصان بالاندفاع،
وإنما تحتاج إلى قرارات مدروسة تحافظ على السيادة والكرامة والأرواح، وتراعي مستقبل الأجيال القادمة.
وختم حديثه بالدعاء لمصر والسعودية واليمن وسائر الدول العربية بالأمن والاستقرار، قائلًا:
«حفظ الله مصر والسعودية واليمن وسائر بلاد العرب، وجنّب شعوبنا ويلات الحروب، وجعل الحكمة سبيلًا إلى الأمن والسلام.»
حوار يتجاوز القرار إلى مستقبل الأمن العربي
يعكس هذا الحوار مساحة مهمة للنقاش حول كيفية التعامل مع الأزمات الإقليمية،
والتوازن بين واجب التضامن مع الدول العربية وبين مسؤولية كل دولة عن حماية أمنها ومصالح مواطنيها.
كما يطرح تساؤلًا أوسع حول طبيعة القوة العربية المطلوبة في مواجهة التحديات:
هل تقتصر على الاستعداد العسكري، أم تتكامل مع الدبلوماسية والتنسيق السياسي وإدارة الأزمات؟
وبين المبدأ الذي يدعو إلى مساندة الدول في مواجهة الاعتداء، والمخاوف المرتبطة باتساع الحروب وتكاليفها،
تبقى الحاجة قائمة إلى قرارات واضحة الأهداف والحدود، تضع أمن الشعوب واستقرار المنطقة في صدارة الأولويات.

