من ماسح أحذية إلى رئيس للبرازيل أربع مرات.. رحلة لويس إيناسيو لولا دا سيلفا
الرئيسية » من ماسح أحذية إلى رئيس للبرازيل أربع مرات.. رحلة لويس إيناسيو لولا دا سيلفا
مقالات

من ماسح أحذية إلى رئيس للبرازيل أربع مرات.. رحلة لويس إيناسيو لولا دا سيلفا

كتب المقال بواسطة أ/
*/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

من ماسح أحذية إلى رئيس للبرازيل أربع مرات.. رحلة لويس إيناسيو لولا دا سيلفا

 

بقلم: د. أحمد علي عطية الله

 

من العمل المبكر في مصنع للمسامير، مرورًا بقيادة الإضرابات العمالية ودخول السجن، وصولًا إلى القصر الرئاسي، تبدو رحلة لويس إيناسيو لولا دا سيلفا واحدة من أكثر التجارب السياسية لفتًا للانتباه في أمريكا اللاتينية. فقد استطاع الرئيس البرازيلي أن يعود إلى الحكم بعد سنوات من الغياب، وأن يحقق في أكتوبر 2026 فوزًا انتخابيًا منحه ولاية رئاسية رابعة غير متتالية.

 

لكن قصة لولا لا تختصرها الانتخابات وحدها؛ فهي حكاية صعود اجتماعي وسياسي، وتجربة اقتصادية ارتبطت ببرامج مكافحة الفقر، كما ظلت محاطة بجدل حول الفساد وأداء حزب العمال، وسط انقسام سياسي حاد داخل البرازيل.

 

النشأة.. طفل من أسرة فقيرة يبدأ العمل مبكرًا

 

وُلد لويس إيناسيو لولا دا سيلفا في 27 أكتوبر 1945 بمدينة غارانيوس، في ولاية بيرنامبوكو شمال شرقي البرازيل، وكان السابع بين ثمانية أبناء في أسرة محدودة الدخل.

 

انتقلت أسرته إلى ولاية ساو باولو بحثًا عن حياة أفضل، وعاش لولا ظروفًا اقتصادية صعبة دفعته إلى دخول سوق العمل في سن مبكرة. وعمل في طفولته ماسحًا للأحذية، ثم شغل وظائف بسيطة، قبل أن يتجه إلى القطاع الصناعي.

 

وفي الرابعة عشرة من عمره، بدأ العمل في مصنع للمسامير، والتحق بالتدريب المهني الذي أهّله للعمل خراطًا ميكانيكيًا. وخلال عمله في الصناعات المعدنية، تعرّض لحادث مهني أدى إلى فقدانه إصبع الخنصر في يده اليسرى، وهي واقعة أصبحت جزءًا من صورته العامة بوصفه سياسيًا خرج من قلب الطبقة العاملة.

 

من المصنع إلى قيادة الحركة العمالية

 

بدأت رحلة لولا النقابية في ستينيات القرن الماضي، في ظل الحكم العسكري الذي عرفته البرازيل بين عامي 1964 و1985. ومع اتساع نشاطه داخل القطاع الصناعي، انتُخب عام 1975 رئيسًا لنقابة عمال المعادن في ساو برناردو دو كامبو ودياديما، وهي منطقة صناعية مهمة في ولاية ساو باولو.

 

برز اسمه على المستوى الوطني خلال أواخر السبعينيات، عندما قاد إضرابات عمالية واسعة للمطالبة بتحسين الأجور وظروف العمل، في مواجهة القيود التي فرضها النظام العسكري على النشاط النقابي والسياسي.

 

وفي عام 1980، شارك مع نقابيين ومثقفين وناشطين اجتماعيين في تأسيس حزب العمال البرازيلي، المعروف اختصارًا باسم PT، بهدف بناء قوة سياسية تعبّر عن العمال والفئات الأقل دخلًا.

 

وفي العام نفسه، اعتُقل على خلفية نشاطه النقابي، وأمضى نحو 31 يومًا في السجن. ومع بدء عودة البرازيل إلى الحياة الديمقراطية، انتقل تدريجيًا من قيادة الاحتجاجات العمالية إلى العمل السياسي، وانتُخب عضوًا في البرلمان عام 1986.

 

الوصول إلى الرئاسة.. من محاولات متعثرة إلى انتصار تاريخي

 

خاض لولا أول انتخابات رئاسية عام 1989، لكنه خسر أمام فرناندو كولور دي ميلو. كما خاض السباقين الرئاسيين عامي 1994 و1998، من دون أن ينجح في الوصول إلى المنصب.

 

وجاء التحول الكبير في انتخابات عام 2002، عندما فاز بالرئاسة، ليتولى مهامه في الأول من يناير 2003، ويصبح أحد أبرز رموز اليسار السياسي في أمريكا اللاتينية.

 

خلال ولايتيه الأولى والثانية، بين عامي 2003 و2010، تبنت حكومته برامج اجتماعية واقتصادية تركت أثرًا واضحًا في حياة قطاعات واسعة من البرازيليين، من بينها:

 

– برنامج بولسا فاميليا: دعم مالي مشروط للأسر محدودة الدخل، ساعد في توسيع مظلة الحماية الاجتماعية.

– مكافحة الفقر والجوع: إطلاق وتوسيع مبادرات لتحسين الأمن الغذائي ومساندة الفئات الأكثر احتياجًا.

– توسيع الاستهلاك المحلي: دعم القدرة الشرائية لشرائح من السكان، بالتزامن مع نمو اقتصادي استفاد، خلال جانب من تلك الفترة، من ارتفاع الطلب العالمي وأسعار عدد من السلع الأساسية.

– تعزيز الحضور الدولي: توسيع علاقات البرازيل مع الدول النامية، والدفع نحو دور أكبر لاقتصادات الجنوب العالمي في المؤسسات الدولية.

 

وأعيد انتخابه عام 2006، ثم غادر الرئاسة في نهاية 2010 وسط شعبية مرتفعة، تاركًا المنصب لحليفته السياسية ديلما روسيف.

 

ومع ذلك، لم تخلُ تلك المرحلة من الأزمات؛ فقد واجه حزب العمال فضائح فساد، من أبرزها قضية «مينسالاو» المتعلقة بشراء دعم سياسي داخل البرلمان، وهو ما أثار انتقادات وتساؤلات بشأن ممارسات الحزب الذي رفع شعار العدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد.

 

السجن والعودة.. كيف استعاد لولا حقوقه السياسية؟

 

واجه لولا منعطفًا حادًا مع التحقيقات المرتبطة بعملية «لافا جاتو»، أو «غسيل السيارات»، التي كشفت شبكة واسعة من قضايا الفساد والرشوة شملت سياسيين ورجال أعمال وشركات كبرى.

 

وفي عام 2017، أُدين لولا في قضية فساد وغسل أموال، ودخل السجن في أبريل 2018، ما حال دون مشاركته في الانتخابات الرئاسية التي فاز بها جايير بولسونارو. وأمضى نحو 580 يومًا خلف القضبان، قبل الإفراج عنه في نوفمبر 2019.

 

وفي عام 2021، ألغت المحكمة الاتحادية العليا البرازيلية الإدانات الصادرة بحقه، بعدما خلصت إلى أن المحكمة التي نظرت في القضايا لم تكن مختصة قضائيًا. كما قررت المحكمة أن القاضي السابق سيرجيو مورو لم يكن محايدًا في إحدى القضايا.

 

وأعادت هذه القرارات إلى لولا حقوقه السياسية، ومهّدت الطريق أمام عودته إلى المنافسة الرئاسية. ومن المهم هنا التمييز بين إلغاء الإدانات لأسباب تتعلق بالاختصاص القضائي والإجراءات وبين صدور حكم موضوعي بالبراءة في جميع الاتهامات؛ فالإلغاء لم يكن حكمًا شاملًا يثبت بطلان كل ما أثير حول قضايا الفساد.

 

العودة إلى الحكم عام 2023

 

عاد لولا إلى السباق الرئاسي في عام 2022، في مواجهة الرئيس اليميني جايير بولسونارو، وسط استقطاب سياسي حاد.

 

وفاز في الجولة الثانية بفارق ضئيل، بعدما حصل على نحو 50.9% من الأصوات الصحيحة مقابل 49.1% لبولسونارو، وتولى الرئاسة مجددًا في الأول من يناير 2023.

 

وفي ولايته الثالثة، سعى إلى إعادة تنشيط البرامج الاجتماعية ومكافحة الجوع، وتعزيز حماية غابات الأمازون، واستعادة دور البرازيل في الدبلوماسية الدولية. كما دافع عن إصلاح المؤسسات الدولية، وتوسيع التعاون مع الدول الناشئة، وتسوية النزاعات عبر الحوار.

 

وعلى الصعيد الاقتصادي، واجهت حكومته تحديات تتعلق بالإنفاق العام والدين وأسعار الفائدة، إلى جانب استمرار التفاوت الاجتماعي والإقليمي. لذلك، فإن تقييم تجربته لا يمكن أن يعتمد على البرامج الاجتماعية وحدها، بل يحتاج إلى النظر أيضًا في نتائج السياسات الاقتصادية ومدى استدامتها.

 

انتخابات 2026.. فوز رابع في مواجهة فلافيو بولسونارو

 

في 25 أكتوبر 2026، حقق لولا فوزًا تاريخيًا في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، متغلبًا على السيناتور فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو.

 

وحصل لولا على نحو 51.79% من الأصوات الصحيحة، مقابل 48.21% لمنافسه، وفق النتائج التي أعلنتها السلطات الانتخابية البرازيلية. وجاء الانتصار بعد أن تقدم فلافيو في الجولة الأولى، قبل أن يتمكن لولا من قلب النتيجة في جولة الإعادة.

 

ويمنح هذا الفوز لولا ولاية رئاسية رابعة غير متتالية، في سابقة تعكس قدرته على العودة إلى المنافسة رغم تقدمه في السن، والجدل السياسي الذي أحاط بحزبه، وتراجع الثقة لدى بعض الناخبين بسبب الأزمات الاقتصادية وملفات الفساد.

 

غير أن الفوز لم ينهِ الانقسام السياسي؛ فقد شكك فلافيو بولسونارو في ظروف العملية الانتخابية، وأعلن عزمه الطعن في النتيجة على خلفية تمديد ساعات التصويت بقرار قضائي. وتظل هذه الاعتراضات جزءًا من المشهد السياسي المحيط بالانتخابات، ولا تعني في حد ذاتها ثبوت وجود تزوير أو بطلان النتيجة.

 

ومن المقرر أن تبدأ الولاية الجديدة في يناير 2027، وسط تحديات تتعلق بعلاقة الرئاسة بالكونغرس، وبقدرة الحكومة على تنفيذ تعهداتها الاقتصادية والاجتماعية.

 

موقفه من القضية الفلسطينية والسياسة الخارجية

 

يُعرف لولا بمواقف ناقدة للعمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، وبمطالباته المتكررة بوقف الحرب وحماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية. كما تبنّى خطابًا يدعو إلى حل سياسي للقضية الفلسطينية، وأثار خلافات دبلوماسية مع الحكومة الإسرائيلية بسبب تصريحاته بشأن الحرب.

 

وتعكس هذه المواقف توجهًا أوسع في سياسته الخارجية نحو الدعوة إلى تعددية الأقطاب، وتوسيع استقلالية القرار البرازيلي، وعدم حصر العلاقات الدولية في محور واحد.

 

أما الحديث عن أن فوزه أغضب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أو أنه أفشل خطة أمريكية محددة في البرازيل، فيحتاج إلى أدلة وتصريحات موثقة حتى يُعرض باعتباره واقعة، لا مجرد قراءة سياسية أو استنتاج.

 

أبرز التحديات أمام الولاية الجديدة

 

رغم فوزه للمرة الرابعة، يواجه لولا ملفات صعبة قد تحدد مستقبل تجربته السياسية، ومن أهمها:

 

1. الاستقطاب السياسي: استمرار الانقسام بين أنصار حزب العمال والتيار المحافظ المرتبط بعائلة بولسونارو.

2. العلاقة مع الكونغرس: صعوبة بناء توافق مستقر لتمرير التشريعات والإصلاحات.

3. الاقتصاد والمالية العامة: التعامل مع الدين العام وأسعار الفائدة والإنفاق الحكومي، وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين.

4. الفقر والتفاوت الاجتماعي: الحفاظ على برامج الحماية الاجتماعية وتوسيع أثرها دون الإضرار باستدامة المالية العامة.

5. غابات الأمازون: الموازنة بين حماية البيئة ومتطلبات الزراعة والاستثمار والتنمية.

6. العلاقات الدولية: الحفاظ على استقلالية السياسة الخارجية في ظل التنافس بين الولايات المتحدة والصين، والتعامل مع الخلافات مع إدارة ترامب.

 

من عامل بسيط إلى رئيس منتخب أربع مرات

 

في السابع والعشرين من أكتوبر 2026، يتم لولا دا سيلفا عامه الحادي والثمانين. وبين طفولة صعبة وعمل مبكر في مصنع، وقيادة الحركة العمالية، ودخول السجن، ثم العودة إلى الرئاسة، امتدت رحلة سياسية استثنائية في تاريخ البرازيل الحديث.

 

يراه مؤيدوه رمزًا للصعود الاجتماعي والدفاع عن الفئات المهمشة، بينما ينتقده معارضوه بسبب إرث حزب العمال الاقتصادي وفضائح الفساد التي طالت بعض رموزه.

 

وبعيدًا عن المواقف المؤيدة أو المعارضة، تبقى تجربته نموذجًا لسياسي استطاع العودة إلى السلطة عبر الانتخابات بعد أزمات قانونية وسياسية عميقة. أما الحكم النهائي على ولايته الرابعة، فسيعتمد على قدرته على معالجة الانقسام الداخلي وتحسين حياة البرازيليين، وتحويل وعود الحملة إلى نتائج ملموسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *