فخ العروش: باكستان في عين العاصفة ومصر على خط التماس
بقلم: سامي زغدان — باحث في الإعلام الدولي
تتغير ملامح الشرق الأوسط أمام أعيننا بسرعة مذهلة، وكأن التاريخ يعيد كتابة قواعد اللعبة بعيداً عن الشعارات الرنانة التي طالما ملأت الفضاء السياسي عن “التكامل العربي العسكري”.
اليوم، نحن أمام واقع تفرض فيه التحالفات الاضطرارية نفسها، وتدفعنا للتوقف مطولاً عند الكواليس وما تبطنه خطابات الساسة.
لقد اصطدم حلم الدفاع العربي المشترك طويلاً بعائق عميق ومسكوت عنه: فجوة هيكلية بين الوفرة المالية لدول الخليج وبين القدرات العسكرية والعمق البشري للدول المركزية.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن الدول النفطية لم تكن مطالبة يوماً بلعب دور المانح أو إعانة اقتصادات الدول الأخرى، بل كان المأمول هو إرساء دعائم “تكامل إقليمي حقيقي” يقوم على تبادل المصالح والقدرات؛ حيث تضع الوفرة المالية ثقلها لدعم واستثمار القدرات الصلبة والعمق البشري للجيوش العربية الكبرى، بما يحصن المنطقة ويغنيها عن اللجوء لقوى خارجية.
غير أن تعثر هذه المعادلة وعجز الخطاب الرسمي عن تفعيلها أدى بمرور الوقت إلى اعتماد العواصم النفطية على الحماية الخارجية المتمثلة في “المظلة الأمريكية”، بينما بقيت الدول ذات الجيوش الصلبة تواجه وحدها أعباء أزماتها الاقتصادية المحلية دون حاضنة تكاملية مشتركة تخفف عنها وطأة التحديات.
وعندما تآكلت تلك المظلة الأمريكية وتراجعت واشنطن أمام أولوياتها الآسيوية الجديدة، وجدت دول الخليج نفسها أمام حروب شريطية وتهديدات معقدة، ما دفعها للبحث عن سند خارج الأسوار التقليدية.
هذا الواقع دفع المملكة العربية السعودية، بصفتها قطباً رئيسياً وفاعلاً محورياً، إلى إعادة هندسة خياراتها الأمنية عبر بناء تحالفات استراتيجية جديدة؛ حيث ثبتت بوصلتها نحو إسلام آباد لتوقيع اتفاق دفاع مشترك انضمت إليه أنقرة لاحقاً، بهدف تعزيز الردع العسكري ورفع كلفة الاعتداءات الإقليمية.
وفي قلب هذا المشهد المتوتر، تبرز مصر بثقلها الاستراتيجي ودبلوماسيتها الواعية؛ فهي لم تكن قط بعيدة عن حماية أمن أشقائها، وقد تجسد ذلك مسبقاً في تفويض برلماني ووطني يخول القيادة السياسية اتخاذ ما يلزم للدفاع عن السعودية في وجه هجمات الحوثيين، كرسالة قاطعة بأن أمن الخليج خط أحمر.
غير أن هذا الاستعداد للدعم الدفاعي لم يكن تعبيراً عن رغبة في الانخراط المفتوح؛ بل هنا يكمن سر رفض القاهرة الرسمي الانضمام للاتفاقية الثلاثية (السعودية – الباكستانية – التركية).
فمصر فضلت النأي بنفسها عن الدخول في أطر تحالفية هيكلية قد تنازعها استقلالية قرارها، أو تقحم جيشها في ترتيبات إقليمية واسعة تخرج عن عقيدتها السيادية المباشرة. لقد اختارت القاهرة أن توازن بحكمة العاقل بين تأكيد “الوفاء للأشقاء” والإسناد الاستراتيجي عند الحاجة، وبين الحفاظ الصارم على “حرمة السيادة الوطنية”.
وفي لفتة تعكس تغليباً لمنطق العقل وإدارة الأزمات خلف دوي التحالفات؛ تحركت عواصم التحالف الثلاثي (السعودية، باكستان، وتركيا) نحو طهران نفسها في مساعٍ دبلوماسية هادئة وجادة، للبحث عن مخرج سلمي يوقف النزيف ويوجه رسائل حازمة لاحتواء أزمة الحوثيين ودفع إيران لتبريد الجبهات. ولكن، هل تنجح هذه الدبلوماسية المكثفة في تفكيك فتيل الأزمة وإقناع طهران برفع غطائها عن وكلائها، أم أن تقاطع المصالح فوق رمال الشرق الأوسط المتحركة سيحول هذا التقارب المؤقت إلى استراحة مقبلة على عاصفة؟
هكذا يبدو المشهد الإقليمي معقداً ومركباً، مثقلاً بحسابات التاريخ وتجاذبات الجغرافيا السياسية: الرياض تبحث عن توازن أبهى وأكثر استقلالية لأمنها، وإسلام آباد تقف على حبل سري دقيق بين عوائد الشراكة ومخاطر الجيرة، ومصر تقف بحكمة في موقع الحارس لسيادتها والسند لأشقائها، وسط طوفان من التحركات الدبلوماسية التي تحاول إخماد النار قبل أن تحرق الجميع.

