الحياة العلمية في عصور الازدهار الإسلامي ومقومات شخصية المعلم الفاضل
بقلم: عبد الحي جهاد
حين نتأمل مسيرة المعرفة في العصر الكلاسيكي، لا تطالعنا أسماء أعلام سطعت في سماء العلم، ولا مصنفات خلدوها، ولا مآثر علمية تركوا بصماتها في سجل المعرفة فحسب، بل تتجلى وراء ذلك كله صورة المعلم في أبهى تجلياتها، وآداب العلم في أسمى معانيها، ورؤية تربوية متفردة اتخذت من بناء الإنسان غاية ومن تهذيب العقل والروح سبيلا. فلم يكن التعليم يومئذ حرفة تزاول، ولا مهنة يكتسب بها، وإنما كان رسالة تنهض على تآلف العلم والعمل، وتكامل الخلق والفكر، واستشعار عظم الأمانة والمسؤولية. ولم يكن المعلم مجرد ناقل للمعارف، بل كان صانعا للعقول، ومهذبا للنفوس، ومسهما في تشكيل وعي المتعلم، وتوسيع مداركه، وصقل شخصيته.
ومن هنا، فإن استيعاب تاريخ الحركة العلمية لا يستقيم بالوقوف عند مؤلفات أولئك الأعلام وآثارهم المعرفية وحدها، بل يقتضي النفاذ إلى أجواء العلم التي احتضنت مسيرتهم، واستجلاء المثل التي حكمت رسالتهم التعليمية، والتأمل في المناهج والأساليب التي سلكوها في التعليم والتربية.
لم تكن أهلية المعلم في التراث العلمي الإسلامي الكلاسيكي تقاس بوفرة ما يحوزه من معلومات، ولا بسعة ما يختزنه من محفوظات، وإنما كانت تتجاوز ذلك إلى عمق فهمه، ووعيه بحدود معرفته، واستشعاره عظم الأمانة التي يحملها، ومدى قدرته على الإسهام في بناء شخصية المتعلم، وصقل ملكاته الفكرية، وتهذيب أخلاقه.
وقد زخرت مصنفات التراث التربوي الإسلامي بحديث مستفيض عن أخلاقيات التعليم، وآداب طلب العلم، والأسس التي تقوم عليها العلاقة بين المعلم والمتعلم كما يتجلى ذلك في كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، وتعليم المتعلم لبرهان الدين الزرنوجي، وتذكرة السامع والمتكلم لابن جماعة. وتكشف هذه المصنفات عن رؤية تربوية لم يكن التعليم في ضوئها مجرد شرح للمتون أو بيان للمسائل، بل كان رسالة تتصل بمقاصد العلم وغاياته، وتستمد قيمتها من أخلاق المعلم، وسمو رسالته، وعمق إحساسه بالمسؤولية تجاه طلابه.
وكان الإخلاص للعلم واستشعار أمانته في طليعة الخصال التي ينبغي أن يتحلى بها المعلم، فلا يتخذ من المعرفة سبيلا إلى الجاه، ولا وسيلة إلى الشهرة، ولا ميدانا للمباهاة وإظهار التفوق على الآخرين، وإنما يجعل منها طريقا إلى تحري الحقيقة، ويصرف ثمراتها إلى ما فيه خير الإنسان ونفع المجتمع. وكانت هذه الروح تكسب شخصية المعلم قدرا من الرصانة الفكرية والاتزان المعرفي، إذ كان يدرك أن تحصيل العلم لا يقف عند حدود استيعاب الأقوال وحفظ العبارات، بل يتجاوز ذلك إلى إدراك الحقائق، وإقامة الحجج عليها، وإبقاء آرائه ومواقفه قابلة للنظر والمراجعة. فالمعلم الذي يؤثر تنمية فهم المتعلم على استعراض براعته العلمية، لا يجعل من التعليم سبيلا إلى إثبات الذات وإظهار المكانة، وإنما يتخذه مسؤولية يؤدي بها حق العلم، ويصون بها أمانته.
وثاني هذه الخصال اقتران سعة العلم بحسن الأدب ومكارم الأخلاق. فقد كان المعلم في التصور التربوي الكلاسيكي بشخصيته وسيرته، وسيلة أصيلة من وسائل التربية والتعليم، فكانت أقواله وأفعاله، وأسلوبه في التعامل مع اختلاف الآراء، بل واستعداده للاعتراف بخطئه، دروسا يتلقاها المتعلم، ويستقي منها من المعاني والقيم ما لا يقل أثرا عما يتلقاه في مجالس الدرس. وقد أولى الإمام الغزالي في حديثه عن واجبات المعلم عناية خاصة بالرحمة بالمتعلمين، وإسداء النصح إليهم، والتزام الحكمة في تقويم أخطائهم وإصلاح أحوالهم. فليست قيمة التعليم فيما يلقنه المعلم من معارف فحسب، بل تتجلى كذلك في الطريقة التي يؤدي بها رسالته، إذ إن كيفية التعليم جزء أصيل من حقيقته. أما إذا استولى على شخصية المعلم الكبر والتعصب والزهو بالنفس، فإن حديثه عن الفضائل ومكارم الأخلاق قد يفقد كثيرا من أثره في نفوس المتعلمين، ذلك أن التناقض بين العلم والسلوك من شأنه أن يوهن رسالة التعليم، ويضعف قدرتها على تحقيق مقاصدها.
وثالث هذه الخصال فقه نفسية المتعلم، وحسن تقدير مداركه وطاقاته العقلية، فالناس متفاوتون في سرعة التحصيل، متباينون في مراتب الفهم والاستيعاب. والمعلم البصير لا يغفل عن هذا التفاوت، ولا يتجاوز ما تقتضيه الفروق بين طلابه، بل ينزل بالمعرفة إلى منازل أفهامهم، ويقرب إليهم ما استغلق من المسائل، ويعيد البيان حيث تدعو الحاجة، ويفسح أمامهم مجال السؤال والاستفسار. وقد احتلت قضايا اختيار المعلم، ومناهج طلب العلم، وآداب الصلة بين المعلم والمتعلم مكانة بارزة في التصور التربوي للزرنوجي. فليست براعة المعلم في إلباس المعارف ثوب الغموض والتعقيد، وإنما تتجلى في قدرته على كشف ما استبهم منها، وتقريب ما دق من معانيها إلى الأذهان. غير أن تيسير الفهم لا يعني اختزال المسائل اختزالا يبدد عمقها ويخل بدقائقها، وإنما تظهر حنكة المعلم ورسوخ قدمه في إحكام الموازنة بين وضوح العبارة وعمق الفكرة، وبين سهولة العرض والمحافظة على أصالة المعنى.
ورابع هذه الخصال التحلي بالرصانة الفكرية وسعة الصدر إزاء اختلاف الآراء. فقد عرف التراث العلمي الإسلامي على امتداد تاريخه تباينا في الأنظار والاجتهادات في مسائل الفقه وعلم الكلام والفلسفة والتفسير، ونمت فروع شتى من المعرفة في رحاب الاجتهاد والمناظرة والنقد والمراجعة. ومن ثم، كان لزاما على المعلم أن يجمع بين الوفاء لما يراه من آراء والاحتكام إلى ما تنهض به الأدلة من حجج وبراهين. فليس من أمانة العلم أن يلوي المرء أعناق أقوال مخالفيه انتصارا لمذهبه، أو أن يحمل كل رأي مغاير على الجهل وقصور الفهم. وليس اختلاف الأنظار في ذاته ضربا من الاضطراب المعرفي، بل قد يكون، متى روعيت أصوله واستوفيت شروطه بابا إلى رحابة الفكر واتساع آفاق النظر.
على أن الإنصاف التاريخي يقتضي ألا نعمم هذا المثال على جميع المعلمين والمؤسسات العلمية، أو نزعم أنهم التزموه بدرجة واحدة في واقع الممارسة غير أن الدليل وحسن التفسير وإعمال النظر العقلي ظلت في أصل التصور ومقتضى المثال، ركائز أصيلة تقوم عليها ممارسة العلم وتستند إليها مناهجه.
ورابع هذه الخصال استشعار المعلم عظم مسؤوليته في صون الميراث العلمي وتنميته، فقد كان أمينا على ما خلفه السابقون من معارف وآثار، محيطا بأقوالهم، مطلعا على مصنفاتهم، لا يقف عند حدود النقل والرواية، بل يتجاوزهما، حيث تدعو الحاجة إلى الشرح والتحليل والنقد والإضافة. ولم يكن الوفاء للتراث يعني التسليم المطلق بكل ما قاله المتقدمون، أو إضفاء صفة الثبات على آرائهم، وإنما كان يقتضي استيعاب مناهجهم في التفكير، وإدراك مسالكهم في الاستدلال، والتشبع بروح البحث والاستقصاء التي وجهت جهودهم، ثم الإفادة من ذلك كله في توظيف المعرفة في ضوء مستجدات الواقع. وفي هذا المنحى تكمن الإمكانية التي أتاحت للحركة العلمية في العصر الكلاسيكي أن تتجاوز حدود التكرار واجترار أقوال السابقين. فشتان بين من يحفظ عبارات كتاب فيرددها كما تلقاها، ومن ينفذ إلى ما وراء تلك العبارات من حجج وسياقات ودلالات معرفية، إذ لا يتأتى هذا الفهم العميق إلا بملازمة القراءة، وإمعان التحليل، وإثارة الأسئلة، والموازنة بين الآراء، ودوام النظر والمراجعة.
وخامس هذه الخصال قيام الصلة بين المعلم والمتعلم على دعائم الأدب المتبادل والشعور المشترك بالمسؤولية. فقد أولى الفكر التربوي الإسلامي الكلاسيكي عناية بالغة لما ينبغي أن يتحلى به المتعلم من توقير معلمه، وحسن الإصغاء إليه، والمثابرة في طلب العلم، كما ألقى على عاتق المعلم في المقابل مسؤولية رعاية النمو المعرفي لطلابه والارتقاء بمستواهم العلمي. ومن ثم، فإن اختزال هذه الصلة في مجرد سلطة تمارس وطاعة تؤدى يحجب كثيرا من معانيها التربوية، ويغفل ما تنطوي عليه من أبعاد أعمق. وإنما كان قوامها في صورتها المثلى أن يفتح المعلم أمام طلابه أبواب المعرفة، وأن يمضي المتعلم في سبيلها بجد وإخلاص ومثابرة. غير أن توقير المعلم لا يستلزم التسليم له دون سؤال، كما أن رفعة منزلته لا تقتضي أن تكون أقواله بمنأى عن النقد والمراجعة، بل إن الثقة المتبادلة هي التي تهيئ مناخا رحبا للسؤال العلمي، وتفسح المجال للتصويب والتقويم. وتبرز في هذا السياق كذلك منزلة الانضباط والتقويم في العملية التعليمية. فقد أولت النظم التعليمية في التاريخ الإسلامي عناية بضبط سلوك المتعلم، والمواظبة على التحصيل، والالتزام بتوجيهات المعلم. غير أن النظر في هذه المسألة يقتضي التمييز بين الغاية من الانضباط والسبيل إلى إرسائه، فشتان بين تقويم خطأ المتعلم والنيل من كرامته، وبين إقامة النظام واتخاذ الخوف عمادا للتعليم. فإذا غلب على نهج المعلم بث الرهبة في نفوس طلابه، فقد يظفر منهم بامتثال ظاهر، غير أن ذلك قد يكون على حساب استقلالهم في التفكير، وجرأتهم على السؤال، وقدرتهم على الإفادة من أخطائهم. ومن ثم، فإن حكمة المعلم لا تتجلى في مجرد إحكام الضبط وإعمال التأديب، بل تظهر كذلك في دقة تقديره لمواضع التقويم، وحسن تبصره بأوقاته وأساليبه، ومعرفته بالقدر الذي تقتضيه الحاجة منه.
ومن الجوانب الجديرة بالتأمل أيضا وثاقة الصلة بين التحصيل العلمي وحسن إدراك مقتضيات العصر. فقد تبلورت في التراث العلمي الإسلامي الكلاسيكي مناهج متميزة لمختلف العلوم، واستقل كل علم بمصطلحاته وأصوله ومسالكه في النظر والاستدلال. ولم تنشأ علوم الفقه وأصوله، والحديث والتفسير، وعلم الكلام والفلسفة واللغة، ولم تتطور بمجرد تراكم المعلومات وتكاثر المحفوظات، وإنما نمت في رحاب القراءة والتفسير والمناظرة والتصنيف، ومواجهة ما يستجد من أسئلة وإشكالات. ومن هنا، لم يكن حسب معلم هذه العلوم أن يحيط بما تقرر فيها من أقوال ومسائل، بل كان عليه أن ينفذ إلى دقائق مناهجها، ويستبين وجوه الصلة والترابط بين مباحثها وآرائها. وبهذا الإدراك يستطيع أن يأخذ بيد المتعلم من شتات المعلومات وتفرق المسائل إلى رحابة المعرفة المتماسكة، التي تنتظم أجزاؤها في نسق محكم، وتتجلى فيه الصلات بين المعاني والمباحث. غير أن ذلك لا يسوغ لنا أن نرسم للعصر الكلاسيكي صورة عصر ذهبي منزه عن العيوب والنقائص، فقد تباينت مناهج التعليم، واختلفت طبيعة الصلة بين المعلم والمتعلم، وتفاوتت أساليب الضبط والتأديب باختلاف الأزمنة والأقاليم والمؤسسات. ففي بعض البيئات رحبت آفاق البحث، واتسعت ميادين النظر والمناقشة، بينما غلبت في بيئات أخرى صرامة السلطة وهيمنة الآراء الموروثة. ولم تكن الحياة العلمية بمنأى عن مؤثرات الواقع الاجتماعي والسياسي، التي أسهمت إلى جانب الخلافات العلمية في تشكيل بيئات التعليم وتحديد آفاقه. ومن ثم، فإن قراءة التاريخ قراءة منصفة تقتضي استحضار هذين الوجهين معا، والنظر إلى الماضي في ضوء ظروفه وملابساته. فكما أن الخلط بين الصورة المثالية للتراث وواقعه التاريخي يفضي إلى فهم مجانب للصواب، فإن اتخاذ بعض أوجه القصور ذريعة لإنكار ما يزخر به ذلك الميراث العلمي من إسهامات جليلة ومآثر إيجابية لا يقل عنه مجانبة للإنصاف.
وتتجلى أهمية هذه المعاني كذلك عند النظر في صلة ذلك التراث بواقع التعليم المعاصر. فقد اتسعت في عصرنا سبل الوصول إلى المعلومات، وغدا تحصيل المواد العلمية واستنساخها أيسر مما كان عليه في الأزمنة الخالية. غير أن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة عمق المعرفة، كما أن كثرة المحفوظات ليست دليلا على رسوخ الفهم. ومن هنا، لا ينبغي أن يقتصر النظر في مستوى المتعلم على مقدار ما استظهر من معلومات، أو سرعة ما أنجز من مقررات، أو ما أحرز من درجات في الامتحانات، بل ينبغي أن يمتد إلى مدى نضج فهمه، وقدرته على إعمال النظر والاستدلال، وإقامة الحجة على ما يتبناه من آراء، واستعداده للنظر في الآراء المخالفة بروح منفتحة. وعندئذ لا تعود رسالة المعلم محصورة في استكمال المقررات الدراسية، بل تتجاوز ذلك إلى تنمية ملكة علمية راسخة لدى المتعلم، تعينه على الاستقلال في البحث، والتعمق في التحليل، ومراجعة مواقفه وتصويبها كلما اقتضى النظر ذلك.
ترجمة: لجنة الترجمة بجماعة الإصلاح في بنغلاديش

