نساءٌ على أجنحة الذاكرة | حين تموت الجدة… تموت مكتبة الحنان - النايل نيوز
الرئيسية » نساءٌ على أجنحة الذاكرة | حين تموت الجدة… تموت مكتبة الحنان
مقالات

نساءٌ على أجنحة الذاكرة | حين تموت الجدة… تموت مكتبة الحنان

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

نساءٌ على أجنحة الذاكرة
حين تموت الجدة… تموت مكتبة الحنان

بقلم عبد المجيد عبوبي

لم تكن الجدة في البيت المغربي، كما في البيت المصري والعربي، مجرد امرأة كبيرة في السن.

كانت حضنًا، ورائحة، ودعاءً، وحكمة، وأمانًا. كانت تحفظ أسماء الأجداد، وتحكي بالأمثال ما لا تقوله الكتب، وتدعو لنا حين نمرض، وتخاف علينا حين نتأخر.

وحين تموت الجدة، لا يموت إنسان فقط؛ تموت معها مكتبة كاملة لم تُطبع قط.

الحنان الذي لم يُستبدل

كان حضن الجدة أول مدرسة يتعلم فيها الطفل معنى الأمان. لا تشرح له الحب، بل تجعله يشعر به.

لا تدرّسه الرحمة، بل تربّيه عليها حين تُطعم القطة، أو تسقي العصفور، أو توزّع الخبز على الجار.

كانت رائحة التوابل في بيتها ليست رائحة طعام فقط؛ كانت رائحة الذاكرة.

رائحة تعني أن البيت حيّ، وأن في الدنيا مكانًا لا يُطرَد منه الطفل، ولا يُسأل فيه عن إنجازه قبل أن يُسأل عن جوعه.

وكانت الجدة تخاطب الطفل بلغة بسيطة عميقة: «اللي ما عندو كبير يشري له كبير»، أو «الصبر مفتاح الفرج».

لم تكن تُلقي دروسًا في الأخلاق، بل كانت تُدثرنا بها؛ تجعلنا نلبس القيم كما نلبس الثوب، من دون أن نشعر أننا نتعلم.

الجدة عند المرنيسي

كتبت فاطمة المرنيسي عن جدتها لالة ياسمينة، لا لتذكرها فقط، بل لتستعيد منها مدرسةً كاملة.

رأت في الجدة امرأةً تحمل في صوتها حريةً وحكمةً وحكايةً، رغم أن العالم حولها كان يحاول أن يضع لها حدودًا.

وكانت الجدة العربية، في تجربة المرنيسي كما في تجربتنا، تحمل في صوتها ما لا تحمله الكتب:

أسماء الأجداد، وقصص القرية، وأغاني الأعياد، وأمثال الحب والصبر والكرامة. لم تكن تُدرّس الأخلاق بالوعظ، بل كانت تُدثرنا بها.

ولعل كلمة نجيب محفوظ تختصر المعنى:

«الإنسان إما أن يكون الإنسانية جمعاء وإما أن يكون لا شيء».

فالجدة لم تُربِّنا لنحب أهل بيتنا فقط، بل لتتعلم أعيننا أن نرى الإنسان في كل إنسان؛ في الجار، والغريب، والفقير، والضعيف.

حين يبحث الطفل عن حضن في الشاشة

أما اليوم، فحين يفتقد الطفل حضن الجدة، لا يجد دائمًا من يحكي له.

فيجد الهاتف. الشاشة تعطيه صورًا سريعة وأصواتًا كثيرة، لكنها لا تعطيه رائحة، ولا حضنًا، ولا دعاءً، ولا حكاية تحمل اسم عائلته ومكانها في العالم.

يتأثر الطفل بعينيه وصوته ونعاسه وأعصابه، ويكبر وهو يعرف آلاف الصور، ولا يعرف حكاية جدته، ولا اسم جدّه، ولا معنى أن يجلس أحد بجانبه بلا أن يطلب منه شيئًا.

خطاب بدأ يرحل

اليوم، يبدو أن خطاب الجدة يرحل ببطء؛ لا حين تغيب فقط، بل حين يتحول البيت إلى غرف متجاورة لا تتقابل إلا على مائدة قصيرة أو أمام شاشة صامتة.

كانت الجدة حلقة الوصل بين الماضي والحاضر، وأمانًا لا يُشترط، ووساطةً داخل الأسرة.

أما اليوم، فقد يحضر الهاتف والشاشة والمدرسة، لكنها لا تعطي ما كانت تعطيه الجدة: الانتماء.

كيف نجمع بين التراث والتجديد؟

المشكلة ليست في الهاتف ولا في التجديد، بل في أن نستبدل الإنسان بالجهاز، والحنان بالشاشة، والذاكرة بالمعلومة.

نحتاج إلى بيت يجمع بين التراث والتجديد دون أن يفقد روحه:

نُعيد للجدة مكانها بوصفها من يُستمع إليه، ونخصص وقتًا بلا شاشات للحكاية والحوار، ونُدوّن حكايات الجدات وأمثالهن قبل أن تضيع، ونعلم الطفل أن الهاتف نافذة إلى العالم لا بديلًا عن العالم.

ربما لا يستطيع أحد أن يملأ مكان الجدة، لأن مكانها لم يكن وظيفة تُستبدل، بل حضورًا يُورَّث.

لكن يمكن أن نحفظ أثرها في كلمة طيبة، ودعاء محفوظ، وحكاية تُروى للأحفاد.

فإذا ماتت الجدة ولم يبقَ إلا صمتها، خسرنا لغةً كاملة كانت تترجم لنا الحب والأصل والانتماء.

أما إذا بقيت حكاياتها حية، فإنها لم تمت، بل انتقلت من جسدٍ ضعيف إلى ذاكرةٍ لا تشيخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *