الحلقة 51 من «شهداء الواجب في حرب مصر ضد الإرهاب»
الشهيد البطل النقيب محمد كريم أحمد ضيف.. «يا بابا، أنت خلفت رجلًا»
توثيق: د. أحمد علي عطية الله
لم يكن قسم التخرج بالنسبة إلى النقيب محمد كريم أحمد ضيف مجرد كلمات يرددها وهو يرتدي الزي العسكري، بل كان عهدًا قطعه على نفسه بأن يظل وفيًّا لوطنه، متمسكًا بواجبه، وألا يفرط في سلاحه حتى يلقى الله. وقد أوفى البطل بعهده، وكتب بدمائه صفحة في سجل شهداء الواجب الذين قدموا أرواحهم دفاعًا عن مصر.
في الحلقة الحادية والخمسين من سلسلة «شهداء الواجب في حرب مصر ضد الإرهاب»، نستعيد سيرة شهيد من أبناء قرية أسنيت بمركز كفر شكر في محافظة القليوبية، ونروي حكاية شاب جمع بين التفوق الدراسي وحب الرياضة، وبين طموح الشباب وإصرار المقاتل، وانتهت رحلته باستشهاده في مواجهة الإرهاب، تاركًا خلفه أسرةً تحمل ألم الفراق وفخر التضحية.
النشأة في بيت العلم والوطنية
وُلد الشهيد النقيب محمد كريم أحمد علي ضيف في 10 سبتمبر 1992، بقرية أسنيت التابعة لمركز كفر شكر بمحافظة القليوبية. وتدرج في مراحله التعليمية بتفوق، فحصل على الشهادة الابتدائية من مدرسة الشيخ عبد المعطي حسين بأسنيت، ثم الشهادة الإعدادية من مدرسة الشهيد محمد إمام الإعدادية، قبل أن يحصل على الثانوية العامة، شعبة الرياضيات، عام 2009، من المدرسة التي حملت اسمه بعد استشهاده.
نشأ كريم في أسرة تولي التعليم أهمية كبيرة؛ فوالده، الأستاذ أحمد علي أحمد ضيف، عمل رئيسًا لقسم الرياضيات بالمدرسة الثانوية التي أصبحت تحمل اسم نجله، فيما تعمل والدته، السيدة إيمان عبد الكريم أحمد محمد حافظ، معلمًا خبيرًا بمدرسة الشهيد محمد إمام الإعدادية.
وكان للشهيد شقيقان وشقيقة صغرى؛ أمير، الذي يعمل مهندس سيارات، ومهاب، الذي كان طالبًا بالفرقة الرابعة بكلية الشرطة وفقًا للرواية التي وثقتها الأسرة، وشقيقته إيمان، التي اختار لها كريم اسمها حبًا في والدته.
من ملاعب الإسماعيلي إلى ميادين الشرف
لم يكن كريم متفوقًا في دراسته فقط، بل كان متميزًا أيضًا في كرة القدم، على غرار والده. وانضم إلى ناشئي النادي الإسماعيلي، وبدت أمامه فرصة لمواصلة مشواره الرياضي، لكنه كان يحمل حلمًا آخر ظل يرافقه منذ الصغر: الالتحاق بالكلية الحربية.
بعد حصوله على الثانوية العامة، التحق بكلية الهندسة في مودرن أكاديمي بالمعادي، بالتزامن مع خوضه اختبارات القبول بالكلية الحربية. وحين اجتاز الاختبارات والكشوف المطلوبة، حسم اختياره، وترك دراسة الهندسة ليلتحق بالكلية الحربية في 17 أكتوبر 2009.
وخلال سنوات الدراسة العسكرية، عُرف بالتفوق والالتزام، وحظي بمحبة معلميه، حتى تخرج في 17 يوليو 2012، ليبدأ مرحلة جديدة من حياته، عنوانها الواجب والانضباط والاستعداد للتضحية.
في مواجهة الإرهاب بشمال سيناء
عقب تخرجه، التحق الشهيد بأحد ألوية المشاة الميكانيكية، وحصل على دورات تدريبية في استخدام القواذف، ثم أُرسل إلى شمال سيناء لتدريب زملائه على استخدامها.
وتنقل خلال خدمته بين عدد من المواقع والكمائن، من بينها كمين بئر العبد وكمين بالوظة، وكان حريصًا على أداء واجبه في الصفوف الأمامية. ووفقًا لما ورد في رواية أسرته، تعرض للإصابة خلال إحدى المداهمات، لكنه لم يخبر أسرته بما حدث، حرصًا على عدم إثارة قلقهم، ثم عاد إلى موقع خدمته لمواصلة مهمته.
وفي إحدى المداهمات داخل المنازل، اكتشف كريم وزملاؤه نفقًا داخل أحد البيوت، وتمكنوا من تدميره. وكانت تلك الفترة، التي أعقبت أحداث 30 يونيو 2013، تشهد تصاعدًا في العمليات الإرهابية بشمال سيناء.
كان كريم يدرك خطورة المهمة التي يؤديها، لكنه لم يجعل الخوف يتقدم على الواجب، وظل مرتبطًا بزملائه وبأرض مصر التي أقسم على حمايتها.
«يا بابا، حد طايل يبقى شهيد؟»
يستعيد والد الشهيد الأيام الأخيرة من حياة نجله بكلمات تختلط فيها الحسرة بالفخر. فقد لاحظ خلال الإجازة الأخيرة أن كريم يلتقط الكثير من الصور مع أسرته، وكذلك صورًا لنفسه، فسأله مازحًا في قلق أبوي:
«كريم، أنت بتعمل ليه كده يا ابني؟ أنت هتموت ولا إيه؟»
فضحك كريم وأجابه بكلمات بقيت محفورة في ذاكرة والده:
«يا بابا، حد طايل يبقى شهيد؟ ياريت يا بابا يحصل».
لم يكن الأب يتصور أن كلمات ابنه ستتحول بعد أيام قليلة إلى ذكرى موجعة، وأن الصور التي التقطها كريم ستصبح من أثمن ما تحتفظ به الأسرة من ملامحه وضحكته.
عاد الشهيد إلى وحدته، وظل يتواصل مع أسرته يوميًا عبر الهاتف. وكان والده يوصيه دائمًا بأن يحافظ على نفسه وزملائه، ويذكره بمصر، فيطمئنه كريم قائلًا:
«اطمن يا بابا، أنت خلفت رجل، وبكرة ترفع راسك وأشرفك».
وكان يخبره أن زملاءه يلقبونه بـ«السيسي الصغير»، وفقًا لما رواه والده، الذي كان يختتم مكالماته بالدعاء لنجله ورفاقه بالحفظ والسلامة.
الثلاثاء 17 سبتمبر 2013.. يوم الفراق
جاء يوم الثلاثاء الموافق 17 سبتمبر 2013، من دون أن يتلقى الأب الاتصال اليومي الذي اعتاده من نجله. وفي ذلك اليوم، وبعد انتهاء كريم من مهمة في شمال سيناء، كان عائدًا إلى وحدته في القنطرة غرب، بعدما ظنت الأسرة أن ابتعاده عن منطقة العمليات سيمنحها بعض الطمأنينة.
لكن جرس الباب حمل الخبر الذي غيّر حياة الأسرة إلى الأبد.
يروي الأب أنه سمع من يناديه بصوت مرتفع: «أستاذ أحمد! يا أمير!». وعندما خرج، وجد أحمد كرم، أحد أبناء القرية وزميل كريم، يخبره بأن نجله مصاب، وأنه طلب منه إبلاغ والده.
أسرع الأب في إبلاغ الأم، ثم تحرك مع نجله أمير وأحمد كرم إلى مستشفى القصاصين. وفي الطريق، علم من أحد زملاء كريم بخبر استشهاده.
يصف الأب تلك اللحظات بأنها من أصعب ما مر به في حياته؛ فقد كان كريم نجله الأكبر وفلذة كبده، وكان يحلم بأن يراه عريسًا، وأن يفرح به ويطمئن إلى مستقبله. لكن القدر اختار له نهاية أخرى، وبقي للأب والأم ألم الفقد وذكريات الابن الذي رحل شابًا.
ضحكته الأخيرة ووداع لا يُنسى
بحسب رواية والده، شرح قائد الشهيد للأسرة ملابسات الهجوم، موضحًا أن كريم كان عائدًا من مأمورية بعد الانتهاء منها، وفي طريق الصالحية تعرض مع زملائه لهجوم إرهابي. وأسفر الهجوم، وفقًا للرواية، عن استشهاد ثلاثة أفراد وإصابة آخر.
وأضاف الأب أن نجله لم يتخلَّ عن سلاحه بعد إصابته إلا عندما اقتضت الضرورة ذلك، في إشارة إلى تمسكه بواجبه حتى اللحظات الأخيرة.
وصل الأب إلى المستشفى ليلًا، ودخل على نجله، لكنه لم يستطع استيعاب حقيقة رحيله. فقد كان كريم، كما وصفه، يبدو وكأنه يبتسم، وعيناه الخضراوان وملامح وجهه كما عهدها، حتى إن المشهد ظل عالقًا في ذاكرته لا يفارقه.
ويقول الأب إن رائحة المسك كانت تفوح في المكان، وإنه حمل جثمان نجله وعاد به إلى القرية قرابة الثانية صباحًا، ليجد أهل أسنيت وأبناء القرى المجاورة في انتظاره.
كان رحيل كريم صدمة كبيرة لأسرته وقريته، فقد أصبح أول شهيد من أبناء القرية منذ حرب أكتوبر 1973، بحسب ما ورد في التوثيق الذي قدمته الأسرة.
وفي لحظة الوداع، وضع الأب ابنه في التراب، بينما لم تتوقف دموعه ودموع الأم، لكن الحزن امتزج بإيمان عميق بأن التضحية من أجل الوطن ستظل قيمة لا يعلو عليها شيء.
تكريم اسم الشهيد وتخليد ذكراه
لم تتوقف سيرة النقيب محمد كريم أحمد ضيف عند لحظة استشهاده، فقد ظل اسمه حاضرًا في قريته وفي ذاكرة أسرته وكل من عرفه.
ووفقًا للتوثيق الوارد في ملف الشهيد، كُرِّم اسمه في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، كما جرى تكريمه من سلاح المشاة بدار المشاة، ومن جهات رسمية وشعبية أخرى، من بينها نقابة التجاريين ومركز شباب أسنيت والمحاربون القدماء.
وأُطلق اسمه على المدرسة الثانوية في قريته، لتصبح مدرسة الشهيد محمد كريم أحمد ضيف الثانوية المشتركة، كما حمل اسمه أحد أكبر شوارع القرية، وأُقيم نصب تذكاري له عند مدخلها، إلى جانب نصب تذكاري آخر في كفر شكر يخلد ذكرى عدد من الشهداء.
ولم يكتفِ الأب بتخليد ذكرى نجله في الكلمات والذكريات، بل أقام مسجدًا في القرية يحمل اسم الشهيد، أمام منزل الأسرة، ليبقى الاسم حاضرًا في حياة الناس وعباداتهم.
عهد لم ينكسر
رحل النقيب محمد كريم أحمد ضيف، لكن حكايته بقيت شاهدة على شاب اختار طريقه بإرادته، وترك وراءه أحلامًا شخصية وأسرة محبة، ومضى يؤدي واجبه حتى النهاية.
من ملاعب كرة القدم إلى ساحات الخدمة العسكرية، ومن أحلام المستقبل إلى وداع الأسرة، تختصر سيرته رحلة شاب آمن بأن للوطن حقًا، وأن الوفاء للقسم ليس كلمات تقال يوم التخرج، بل مسؤولية تُحمل كل يوم.
سيبقى صوته في ذاكرة والده، وستظل ضحكته في الصور، وسيبقى اسمه على المدرسة والشارع والمسجد، تذكرةً للأجيال بأن خلف كل اسم من أسماء الشهداء أسرةً أحبت وانتظرت وحلمت، ثم دفعت أغلى ما تملك.
رحم الله الشهيد البطل النقيب محمد كريم أحمد ضيف، وأسكنه فسيح جناته، وحفظ مصر وأهلها من كل سوء.
الحلقة 51 من سلسلة «شهداء الواجب في حرب مصر ضد الإرهاب»
توثيق: د. أحمد علي عطية الله

