نهرٌ لا يعرف النوم… وأمةٌ تموت عطشى
بقلم عبد المجيد عبوبي
في بيوتنا كتابٌ يُقرأ كل ليلة، وماءٌ لا يجف. نحن أمةٌ تجلس على ضفة نهرٍ عظيم، وتشكو العطش.
ليس لأن النهر جاف، بل لأننا وقفنا نتأمله من بعيد، وأحبسناه في زجاجات العادات والأهواء، ونسينا أن ننحني ونشرب.
جرّبنا كل شيء. جاءت الأيديولوجيات وذهبت، واحمرّت الشعارات واصفرّت، وصار البشر أرقامًا في أخبار الصباح. وبقي السؤال الواحد:
لماذا تركنا التوازن؟ ولماذا صرنا إما نقلد الآخرين في استهلاكهم وصورتهم، أو نعلق بأنفسنا في ماضٍ حافظنا صورته وفقدنا روحه؟
في الحالتين نحن هاربون من أنفسنا. فالتقليد، أيًا كان، أن يعيش الإنسان حياة غيره، ويموت باسم آخر.
يجيبنا علم النفس بلغة بسيطة:
الإنسان يحتاج إلى توترٍ معتدل كي ينجح. فإذا زاد الضغط انهار الأداء، كما يرتجف الرياضي قبل النهائي.
وكذلك النفس حين تُقمع:
من يقول لنفسه «لن أفكر في الحلوى»، يفكر فيها كل دقيقة. ومن يُمنع من كل شيء، قد يندفع نحو كل شيء دفعة واحدة.
فالكبح المطلق يصنع الانفجار المطلق
أما التشدد، فهو ليس قوة دائمًا. أحيانًا يكون ألمًا يبحث عن سلطة،
وخوفًا يبحث عن جدار، وارتجافًا يتنكر في ثوب اليقين. ومن يفرض على الناس أكثر مما يحتملون، لا يصنع منهم أقوياء، بل يصنع منهم خائفين أو متمردين.
ويضيف علم الاجتماع أن المجموعة المنغلقة على نفسها تزداد قسوة، لأنها لا ترى في مرآة أعضائها سوى وجهها.
وحين تضعف الهوية، يبحث الإنسان عن عدوّ ليثبت أنه موجود. فنهاجم أولًا أبناء جلدتنا المعتدلين، لأن الاعتدال يفضحنا، ويذكّرنا بأن هناك طريقًا آخر لم نجرّبه.
وهكذا نفهم لماذا يملّ المتشدد طريقه وهو عليه. فالميزان لا يقبل كفةً واحدة ثقيلة؛ كلما أثقلنا كفةً بالقوة، ارتفعت الأخرى حتى تكاد تنقلب.
ولا يستقر الميزان إلا حين تتوازن الكفّتان. وكذلك الإنسان: لا يستقيم إلا بالاعتدال، وكلما تشدد ملّ.
فالتشدد سوقٌ ضاقت أزقته، فمن دخل فيه إما أن ينهار أو يهرب.
أما الوسطية التي نحن مدعوون إليها، فليست حيادًا ولا برودًا.
الوسط توازنٌ حي:
رحمةٌ وعدل، عقلٌ وقلب، دنيا وأخرة، أصالةٌ وتجديد. فال أبٌ الذي يربّي أبناءه بالرحمة دون عدل يُفسدهم، والذي يربّيهم بالعدل دون رحمة يُبعدهم.
أما الذي يجمع بينهما، فيصنع إنسانًا يحترم الحدود ولا يخاف من الحياة.
وهكذا الإنسان:
أصلٌ لا يتزحزح، وأملٌ لا يتجمد. فالميزان لا يعرف العدل بكفةٍ واحدة، بل بيدين تحملان معًا.
فلنعد إلى النهر. لنقرأ الكتاب قراءة من يسأل، لا قراءة من يملك الإجابة. ولنتذكر أن الأمة الوسط لم تُمدح لأنها وقفت في المنتصف،
بل لأنها أمسكت بالميزان بيد، وبالحياة بيد أخرى، فلم تسقط.
عطشنا ليس قدرًا. والنهر ما زال يجري… لا يعرف النوم.

