أنا وصديقي الفيلسوف
الحلقة الخامسة: حين تُفسد السلطة أصحابها
ا.د/ رشا علي الدين
جلستُ إلى صديقي الفيلسوف، وقلت له:
— تُنسب إلى المؤرخ والمفكر البريطاني اللورد أكتون مقولة أصبحت من أشهر ما قيل في العلاقة بين السلطة والفساد:
«السلطة تميل إلى الإفساد، والسلطة المطلقة تُفسد إفسادًا مطلقًا».
ثم سألته:
— أتعني هذه العبارة أن كل من يتولى سلطةً لا بد أن يفسد؟
هزّ رأسه وقال:
— لو كان الفساد نتيجةً حتمية لكل سلطة، لما بقي في التاريخ حاكم عادل، ولا مسؤول نزيه، ولا صاحب منصب صان أمانته. المقولة لا تدين السلطة في ذاتها، وإنما تحذر من طبيعتها حين تنفصل عن الرقابة، وتتحرر من المساءلة، ويظن صاحبها أنه فوق القانون.
قلتُ:
— وكيف تبدأ رحلة الفساد؟
قال:
— نادرًا ما يبدأ الفساد بسرقة كبيرة أو رشوة فاضحة؛ بل يبدأ غالبًا بتنازل صغير يبرره صاحبه لنفسه. مجاملةٌ على حساب الاستحقاق، واستثناءٌ بلا سند، وتغاضٍ عن مخالفة، ومنفعةٌ تُقدَّم لقريب، وتوقيعٌ يُمنح لمن لا يستحق.
ثم لا يلبث الاستثناء أن يصبح قاعدة، والمجاملة أن تتحول إلى شبكة مصالح، والصمت أن يغدو شريكًا كاملًا في الجريمة.
قلتُ:
— ولكن الفاسد لا يرى نفسه دائمًا فاسدًا!
ابتسم وقال:
— تلك إحدى حيل النفس؛ فالفاسد نادرًا ما يسمّي الأشياء بأسمائها. لا يقول: «سرقت»، بل يقول: «أؤمّن مستقبلي». ولا يقول: «دفعت رشوة»، بل يقول: «زيّتُ الإجراءات». ولا يقول: «زوّرت الحسابات»، بل يقول: «أعدتُ ترتيب الدفاتر». ولا يقول: «حابيتُ القريب»، بل يقول: «أهل الثقة أولى».
فالفساد يحتاج دائمًا إلى قاموسٍ مهذّب يخفي به قبحه.
قلتُ:
— ولهذا ظهرت تعبيرات مثل: «تحت الطاولة»، و«دهن السير»، و«طبخ الدفاتر»؟
قال:
— نعم؛ فاللغة لا تصف الفساد فحسب، بل قد تستره أيضًا. وحين يصبح للفعل القبيح اسمٌ لطيف، يسهل على صاحبه ارتكابه دون أن يسمع في داخله صوت الإدانة.
سألته:
— ولماذا قيل: «الاستبداد أصل لكل فساد»؟
أجاب:
— لأن الاستبداد لا يعني فقط أن ينفرد شخص بالحكم، بل أن ينفرد أي مسؤول بالقرار، وأن يجمع بين السلطة والرقابة على سلطته، وأن يختار من يحاسبه، ويُقصي من ينتقده، ويكافئ المصفقين، ثم يطلب من الناس أن يصدقوا أنه يحارب الفساد.
قلتُ:
— وهل يمكن للفاسد أن يحارب الفساد؟
قال:
— قد يحارب بعض الفاسدين ليحمي فساده، وقد يرفع شعارات النزاهة ليُبعد الأنظار عن ممارساته. لكن الحرب الحقيقية على الفساد لا يقودها من ينتفع منه؛ لأن فاقد النزاهة لا يمنحها، ومن يخشى كشف الحقيقة لا يستطيع أن يكون حارسًا لها.
ثم أضاف:
— لذلك يقال في الأمثال الشعبية: «حاميها حراميها»؛ وهي أوجز صورة لانهيار الأمانة، حين يصبح مَن كُلِّف بالحماية هو نفسه مصدر الخطر.
قلتُ:
— وماذا عن قولهم: «السمكة تفسد من رأسها»؟
قال:
— ليس معناه أن الفساد لا يوجد إلا في القمة، وإنما أن فساد القيادة يمنح الفساد في بقية المؤسسة شرعيةً ضمنية. فإذا رأى الموظف أن المسؤول يكافئ المحاباة، ويعاقب الصراحة، ويتجاوز القانون، تعلّم أن الكفاءة لا تحميه، وأن أقصر الطرق إلى النجاح يمر عبر الولاء للأشخاص لا الإخلاص للعمل.
قلتُ:
— وهل تكفي نزاهة الأفراد لحماية المؤسسات؟
قال:
— النزاهة الفردية ضرورية، لكنها لا تكفي. فالمؤسسة الرشيدة لا تبني سلامتها على افتراض أن جميع القائمين عليها ملائكة، بل تضع قواعد تمنع إساءة استعمال السلطة: شفافية في القرار، وفصلًا بين الاختصاصات، وإفصاحًا عن المصالح، ورقابةً مستقلة، وحمايةً للمبلّغين، ومساءلةً لا تستثني كبيرًا ولا تحابي قريبًا.
قلتُ:
— لهذا يقال: «المال السائب يعلّم السرقة»؟
قال:
— نعم؛ ولكن الأدق أن نقول: غياب الرقابة لا يصنع الفاسد من العدم، وإنما يكشف استعداده، ويمنحه الفرصة، ويغريه بالاستمرار. فالرقابة لا تُهين النزيه، بل تحميه من الشبهات، وتحمي المؤسسة من أن تتحول الثقة فيها إلى ستار يُخفى خلفه العبث.
سألته:
— ومن يدفع الثمن في النهاية؟
قال:
— لا يدفعه الفاسد وحده، بل يدفعه من حُرم حقه لأنه لم يملك واسطة، والمريض الذي لم يجد دواءً لأن المال اختُلس، والطالب الذي ضاعت فرصته لأن غير الأكفأ قُدّم عليه، والموظف المجتهد الذي تعلّم أن جهده لا قيمة له، والمواطن الذي فقد ثقته في القانون.
ثم قال:
— لهذا قيل إن الفقراء هم أكثر من يدفعون ثمن الفساد؛ فصاحب المال قد يشتري بديلًا للخدمة العامة، أما الفقير فلا يملك إلا باب الدولة، فإذا أفسده المرتشون وقف أمامه بلا مال ولا واسطة ولا حق نافذ.
قلتُ:
— يبدو إذن أن الفساد لا يسرق الأموال فقط.
قال:
— بل يسرق ما هو أخطر: يسرق الثقة في المؤسسات، والإيمان بعدالة الفرص، واحترام القانون، والأمل في أن يكون الاجتهاد طريقًا مشروعًا إلى التقدم. وحين يتيقن الناس أن الحقوق تُشترى، وأن المناصب توزّع بالمحاباة، وأن العقاب لا يطال أصحاب النفوذ، يصبح الفساد ثقافةً لا واقعةً عارضة.
صمتُّ قليلًا، ثم قلت:
— وما أخطر مرحلة يبلغها الفساد؟
أجاب:
— حين يتوقف الناس عن استنكاره، ويعتبرونه «شطارة»، ويصفون النزيه بالسذاجة، ويعاملون الرافض للانحراف باعتباره معطّلًا للمصالح. عندئذ لا يكون الفساد قد استولى على المال وحده، بل يكون قد استولى على منظومة القيم.
قلتُ:
— وكيف نعرف أن مؤسسةً ما تحارب الفساد بصدق؟
قال:
— حين تُعلن القواعد قبل التطبيق، وتُطبقها على الجميع، وتفصل بين القرابة والاستحقاق، ولا تجعل الشكوى طريقًا للانتقام من صاحبها، ولا تُنشئ لجان التحقيق لحماية المشكو في حقه، ولا تحول الرقابة إلى أداة لمعاقبة الخصوم.
ثم نظر إليّ طويلًا وقال:
— المعيار ليس عدد الخطب التي تُلقى عن النزاهة، وإنما عدد المصالح التي استطاع القانون أن يوقفها، وعدد أصحاب النفوذ الذين خضعوا للمساءلة، وعدد المظلومين الذين استردوا حقوقهم دون واسطة.
نهضتُ وأنا أردد مقولة اللورد أكتون، فسألني صديقي:
— أتدرين متى تصبح السلطة المطلقة أكثر خطرًا؟
قلتُ:
— حين لا تجد من يراقبها؟
قال:
— بل حين تُقنع صاحبها بأنه لا يخطئ، وتُقنع المحيطين به بأن الاعتراض خيانة، وتُقنع الضحايا بأن الصمت حكمة.
غادرتُه، وبقي السؤال يطرق أبواب الفكر:
إذا كانت السلطة تميل إلى الإفساد، فمن يراقب مَن يملكونها؟ ومن يحاسب مَن يملكون أدوات المحاسبة؟
فالفساد لا يبدأ بيدٍ تمتد إلى المال العام فحسب؛ قد يبدأ بعقلٍ يرفض النقد، ومسؤولٍ يكره الرقابة، ومؤسسةٍ تقدّم الولاء على الكفاءة، ومجتمعٍ يرى الخطأ ثم يلوذ بالصمت.
السلطة لا تُصان بحسن الظن وحده، بل بالقانون والشفافية والمساءلة؛ فالضمير يحمي صاحبه، أما المؤسسات فتحميها الضمانات.
#أنا_وصديقي_الفيلسوف
#الحلقة_الخامسة
#السلطة_والفساد
#مكافحة_الفساد
#النزاهة
#المساءلة
#سيادة_القانون

